سلسلة الأمراض الأخلاقية
البخل وشح النفس
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين
السلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته
حديثنا هذا اليوم، بإذن الله تعالى، يكون حول أحد الأمراض الأخلاقية التي ينبغي أن يتقيها الإنسان، أو يعالجها لو تسربت إليه. ذلك هو: مرض البخل. البخل، كما ورد في تعريف الراغب الأصفهاني، في كتابه: مفردات ألفاظ القرآن الكريم: إمساك المقتنيات عمن لا يحق حبسها عنه، ويقابلها الجود. ومفهوم البخل، بنحو إجمالي، هو واضح لدى أكثر الناس، ولكن في هذا التعريف إلفات معين إلى أنه: حبس المقتنيات، أي كل ما يقتنيه الإنسان، سواء كان: مالا أو لباسا أو طعاما. فإذا حبسه عمن لا يستحق أن يُحبس عنه، يكون بخيلا. فأحيانا قد يستحق شخص معين أن تحبس المال عنه، مثلا: الإنسان المبذر، الذي بلغ مرتبة السفه، فالحاكم الشرعي يحبس عنه حتى ماله، فضلا عن مال غيره. لأن هذا المال سيكون عرضة للإتلاف لو ما يُحبس. على ضوء هذا، لا ينبغي للأب - مثلا - أن يعطي ابنه السفيه أو المبذر المال. ولو حبسه عنه، لا يقال له: بخيل. لماذا؟ لأنه حبسه عمن يستحق أن يُحبس المال عنه. وأما إذا كان لا يستحق أن يُحبس المال عنه، كأن يكون ابنا مدبرا، فينبغي على الأب حينئذ أن يكون سخيا معه. أو كانت زوجة صالحة، فينبغي للزوج حينئذ أن يكون جوادا بالنسبة إليها. هذا فضلا عن خارج الدائرة الرحمية: صديق، صاحب مشروع، غير ذلك من الناس، فلا ينبغي أن يحبس الإنسان هذا المال عن تلك الأطراف ما لم تستحق أن يُحبس عنها.
في ضمن هذا التعريف أيضا، ذكروا عبارتين وعنوانين. في بعض الأحيان يأتي لفظ البخل والبخيل، وفي بعض الأحيان يأتي لفظ الشح والشحيح. وقد ورد كلا اللفظين في القرآن الكريم. ورد مثلا: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ)، وورد أيضا: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)، وأيضا: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ)، وهو: جمع شحيحة. فهل أنهما متساويان؟ أم هناك فرق بينهما؟
ذكر البعض بأن هناك فرقا بين البخل والشح، وبين البخيل والشحيح. فقسم قالوا: إن الفرق بينهما هو في أن البخيل: من يحبس ماله عن الغير، بينما الشحيح من يحب أن يُحبَس مال غيره أيضا عن ذلك الغير. فتارة الإنسان هو من يمنع رفده، يمنع عطاءه، يمنع أن يصل ماله إلى الآخرين. وهذا هو البخيل. وتارة أخرى، لا يمنع ماله الشخصي فقط، وإنما يرغب لو أن مال غيره لم يصل إلى فلان أيضا. فلو سمع أن زيدا من الناس أعطى إلى ابنه، أي إلى ابن زيد، مبلغا من المال. يتأذى! لماذا يعطيه هذا المبلغ؟ ما الداعي أن يصرف عليه؟ ذلك لم يكن من جيبه، لكن يتأذى. قالوا: هذا هو الشحيح، الذي ليس يحبس فقط ماله الشخصي، وإنما يتمنى ويسعى لو يُحبَس مال غيره أيضا عن الآخرين، رغم أنه لا يخسر شيئا لو صُرف من مال غيره على غيره. وسيأتي - بعد قليل - أن هذا يشبه الإنسان الحاسد في بعض جوانبه. على كل، هذا أحد الفروق التي ذكرت بين البخيل والشحيح. فالبخيل هو الذي يضن بمال نفسه، والشحيح هو الذي لا يسخو بمال غيره، ولا يتمنى أن يكون غيره سخيا على الآخرين.
هناك بعض آخر، قال: هناك فرق أدق من هذا. وهو: أن البخل هو الحالة الخارجية لهذا الإنسان، وهي: المنع. فعندما يمنع الإنسان عطاءه عن غيره، هذا بخل. ولكن الحالة النفسية الداخلية التي تدفع هذا الإنسان إلى هذه الجهة، هي: الشح. لذلك عادة تضاف إلى النفس: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ). فكأنما الشح هو الصفة الداخلية، المحركة للبخل. أما البخل فهو المنع الخارجي. ولعل هذا الفرق أدق من الفرق السابق. وعليه أيضا شواهد.