هكذا نواجه الرغبة في الخيانة ١٥

هكذا نواجه الرغبة في الخيانة ١٥
00:00 --:--

واحد من تلك الأمور، وهو أهمها على الإطلاق، الإحساس بالرقابة الإلهية. بأن يستحضر الإنسان رقابة الله سبحانه وتعالى ويذكره. لماذا عندنا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ ولكن (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ). ذكر الله هنا، لا يعني الذكر اللساني، وإنما الذكر القلبي، بأن يتذكر الإنسان أنه في محضر الله عز وجل، وتحت إحاطته وعلمه وعينه، وأنه الآن، في هذه اللحظة، ينظر إليه، ويسجل عليه، حال ارتكابه للمعصية. ولذلك عندنا في الروايات أنه لا تجعل الله أهون الناظرين إليك؛ لأن الإنسان غالبا لا يعصي أمام الآخرين. هل رأيتم أحدا مثلا يزني في السوق؟! لا يحصل هذا. يسرق أمام الملأ؟ عادة لا يحصل. يمارس الحرام، يشرب الخمر، بحضور آخرين من أهل الاستقامة؟ كلا. ولكنه في خلواته يقوم بذلك، مع أن الله حينئذ ينظر

إليه! ففي الواقع، في هذه الحالة، أنا عندما أمارس الذنب ولا أحد معي، ولكن أعلم أن الله ينظر إلي، بينما لا أمارسها في حضور أخي، وابن عمي، وصديقي، فكأنما نظر الله عني أقل قيمة، وأهون عليَّ من نظر أخي وابن عمي. فإحساس الإنسان بالرقابة الإلهية مما يجعله يرتدع عن ذلك. نبي الله يوسف، عندما غلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال: معاذ الله. لولا أن رأى برهان ربه. هناك حصل ما حصل من أنه لم يهم بتلك المرأة، بتلك المعصية، فضلا عن أن يمارسها. كذلك أيضا من هو مستقيم: (إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا)، أي ذكروا الله سبحانه وتعالى وتذكروا عينه المحيطة بهم.لا يتصور الإنسان، ولا أتصور أنا، والخطاب لي، قبل السامعين، أنني وحدي. كلا، هناك عدد غير قليل ممن

هو معي في بيئة المعصية والذنب. هناك متعددون معي. الملكان الكاتبان، وهذا عندنا في اعتقاد المسلمين شيعة وسنة على أن الإنسان يرافقه ملكان أينما حل وارتحل، ووظيفتهم وظيفة رقابية. وقد وردت روايات كثيرة في هذا المعنى. وفي الأدعية موجود كذلك. في دعاء كميل، نحن نقرأ: "وَكُلَّ سَيِّئَةٍ أَمَرْتَ بِإِثْبَاتِهَا الْكِرَامَ الكَاتِبِينَ الَّذِينَ وَكَّلْتَهُم بِحِفْظِ مَا يَكُونُ مِنِّي". شغلهم هكذا. حتى لإنه عندنا بعض الروايات تفصيلية في أمر هؤلاء. فإذا مات هذا الإنسان، ماذا يفعلون هؤلاء؟ يصعدون إلى السماء، نقول لهم: السماء مملوءة ملائكة، يبقون في الأرض؟ الأرض مملوءة ملائكة. فإن كان هو – أي الإنسان - قد أحسن سيرته معهم. يبقيان على قبره يستغفران الله له إلى يوم القيامة. اللهم أحسن جوار كرامنا الكاتبين معنا. مثلهما، مثل صديق لك يحفظ

ودك. فلو أنت مت، يقوم هو بتفقدك، يمر عليك، يقرأ لك الفاتحة. هؤلاء الكرام الكاتبون - كما ورد في بعض الروايات – شغلهم هكذا، يبقون على قبر الإنسان المؤمن الذي أحسن مجاورتهم وعشرتهم، فهما معك ربما ٧٠ سنة. فإن أنا وأنت وغيرنا أحسن جوارهما، يبقيان على قبره، يستغفران الله ويدعوان إليه.في الصحيفة السجادية، دعاء في الصلاة على الكرام الكاتبين، نقرأ: "اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَصَلِّ عَلَى جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَصَلِّ عَلَى أَنْبِيَائِكَ المرْسَلِينَ وَصَلِّ اللهُمَّ عَلَى الكِرَامِ الكَاتِبِينَ". في موضع آخر، في دعاء آخر: "اللهُمَّ يَسِّرْ عَلَى الكِرَامِ الكَاتِبِينَ مَؤُونَتَنَا، وَامْلَأْ لَنَا مِنْ حَسَنَاتِنَا صَحَائِفَنَا، وَلَا تُخْزِنَا عِنْدَهُم بِسُوءِ أَعْمَالِنَا". أي لا تجعل وجوهنا سوداء أمامهم من سوء أعمالنا، فهؤلاء هم آخر من يبقون على قبرنا إلى آخر

الوقت، لذلك اجعلنا من خير الناس في صحبتهم، حتى يقوموا بهذا الأمر لأجلنا. وهناك الكثير من الروايات والأدعية في هذا الجانب. هذا أول رقيب من الرقباء على الإنسان، يسجل علي وعليك إن شاء الله كل حسن. أما ذلك البعيد الخائن، فتسجل عليه خياناته. فماذا ينفعك شعور الانتصار الكاذب لبرهة من الزمان، وقد دُوِّن في صحيفة عملك أنك خنت مال هذا الإنسان، أو عمل ذاك الإنسان، أو تعديت على زوج هذا الإنسان، بما يشمل الزوج والزوجة. ماذا ينفعك وقد ثبَّت الكرام الكاتبون هذا في صحيفة عملك. إذ ذهبت في اللذة، منذ عشرين سنة، ثلاثين سنة، وأنت ترتكب هذا الأمر، أنت نسيت هذا، لكن هؤلاء لا ينسون، في كتاب لا يغادر لا كبيرة ولا صغيرة، هذا رقيب يشاركنا في الرقابة التي نقوم

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة