هناك فكرة، نشير إليها إشارة عابرة، وهي: أن هناك بعض الباحثين يحتملون أن هذا الاهتمام الموجود في بعض المجتمعات الشيعية مؤخرا بقضايا مثل: السحر، والحسد، والعين، وما شابه ذلك. هو عبارة عن: تسرب جاء إلينا من المدرسة الأخرى. لا سيما في المناطق الكثيرة المتجاورة.
فهناك تجاور جغرافي بين أتباع مدرسة الإمامة وأتباع مدرسة الخلافة. وفضاؤهم الثقافي فضاء واحد: يقرأون جرائد متحدة، ووسائل الإعلام بينهم متفقة، وما شابه ذلك. فإذا صار اهتمام عظيم من تلك المدرسة في ثقافتهم ووسائل إعلامهم بالسحر، فهذا ينعكس بدرجة أو بأخرى على من جاورهم. حتى ولو كان ليس موجودا في أصولهم الثقافية. أي: حتى لو لم يكن هذا الاهتمام وهذا الحضور عند أتباع مدرسة أهل البيت (ع)، في أصولهم الثقافية موجودا، إلا أن اتحاد هذا الفضاء الثقافي والتأثير المباشر لهذا الضخ الإعلامي: كل يوم وجدوا سحرا، أو وقفوا على حسد، أو معيون ومعمول له كذا وكذا، فهناك احتمال كبير أن يكون هذا من جملة الأمور المتسربة من الفضاء الثقافي الآخر إلى الفضاء الخاص بأتباع مدرسة أهل البيت (ع).
أخيرا، إشارة سريعة إلى الموضوع العلمي، وإن لم يكن لدينا لأجله وقت كاف. في الموضوع العلمي، حاولوا قديما وحديثا أن يفلسفوا هذه: هل هناك إمكانية للتأثير أم لا؟ القدامى الذين يقولون بتأثير العين، قالوا: أن هناك أجسام صغيرة، لا تدرك، تخرج من العين، وتصيب هذا المعيون. يكما لو كانت أسلحة تدمير غير شامل، وغير معروفة، وغير مرئية. فهذا العائن، ينظر في الهدف، ويوجه أشياء – يقولون: إنها – في غاية اللطافة، تخترق بدن هذا الإنسان وتؤثر عليه، فتصنع فيه آلاما، أمراضا، إلى آخره. هذا القديم.
المحدثون، قالوا شيئا آخر: في كل الأبدان، توجد طاقة كامنة. لكن في بعض الأبدان، توجد طاقة استثنائية. وهذه الطاقة الاستثنائية - حسب كلامهم - مركزها هذه المنطقة: بين العينين. فعند قسم من الناس، هذه الطاقة الكامنة المتركزة بين العينين، مضاعفة وكبيرة جدا، وليست موجودة بهذا النحو عند أكثر الناس. فهذه لما يوجهها إلى طرف آخر، تغير - حسب تعبيرهم - مسار الطاقة الموجود في بدنه، وتمنعه من الانسياب. فتسبب له المرض، تسبب له الألم، تسبب له الحمى. هذا الكلام الجديد.
أنا سألت اثنين من المتخصصين، الأطباء، في هذا الموضوع؛ لأني لست من أهل الخبرة في هذا الجانب. فنفى هذان الطبيبان - وهما باحثان مهمان - أن يكون هناك دليل علمي على هذا الكلام الموجود من قضية الطاقة، فضلا عن خروج أجسام من عين العائن إلى بدن المعيون. وقالوا: لا يوجد هناك أي إثبات علمي على هذه الجهة، وما هو موجود إنما هو مجرد احتمالات وفرضيات لم توثق لا من الناحية الطبية الإكلينكية - كما يقولون - ولا من الناحية الفيزيائية التي تدرس ظواهر الأشياء وعلاقاتها. فلا يوجد هناك تأكيد لهذا المعنى. وقد يحتاج هذا إلى حديث أكثر. فماذا نصنع في مثل هذه الحالة؟
النتيجة التي نريد أن نصل إليها، هي التالية: ألا يعيش الإنسان وهم أنه محسود أو أنه معيون، أو أن هناك طرفا آخر يتقصده في صحته أو في نجاحه أو في زواجه أو في ماله أو ما شابه ذلك. فإن هذه، القاعدة الأولية فيها: أنها لا تؤثر في الآخرين. وهذا، إن قلنا أصلا – مثل العين – لا توجد كحقيقة نهائية، كما يذهب إليه بعض من المسلمين. أو قلنا: لا. هي موجودة في الجملة، وبمقدار معين، وعند قسم محدود من الناس. أو قلنا: لا. حتى وإن كانت موجودة، إلا أن هناك طرقا لاتقاء شرها على فرض وجودها، بالتوكل على الله سبحانه وتعالى، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ). وبالتحصن بالقرآن الكريم، ولا سيما بالمعوذتين. والاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى قد جعل الكون مبنيا على أسباب ونتائج، وقد جعل لكل شيء قدرا. ووضع سننا: سنن للنجاح، وسننا للفشل، وعوامل سقوط وعوامل نهوض. وعلى الإنسان أن يذهب وراء هذه السنن والقواعد اليقينية الحقيقية، فضلا عن أن هذا أفضل من أن ينشغل بالأمور الوهمية التي لم يدل عليها دليل من الأدلة.