فلما نذهب إلى المدرسة الإمامية، نجد في الغالب أن قضية الإصابة بالعين إنما وردت في روايات ليست تامة سندا. أو ليست بتلك الصراحة بأنها مؤثرة ومضرة وما شابه ذلك. هذا - كما قلنا - تماما على خلاف ما هو موجود في مصادر مدرسة الخلفاء الذين أولا: لديهم روايات بمصادر من الدرجة الأولى: صحيح البخاري ومسلم، وأشباهه الواردة، وهي من حيث السند: معتبرة. وفوق ذلك أيضا: دلالتها دلالة صريحة وواضحة.
وربما هذا يفسر لماذا كان تفاعل أتباع مدرسة الخلفاء مع قضية العين، وما يرتبط بها، تفاعلا كبيرا وواسعا. بمعنى: وجود تقاليد من القراءة والرقية والماء والزيت وأمثال ذلك، وحتى الاستغسال فعندهم طريقة معينه، في: أنه إذا أرادوا أن يغيروا أثر العين، لا بد أن يغتسل العائن، ويؤخذ فضل غسله، ثم يرش على ذلك المعيون. فإن لم يمكن هذا، يؤخذ شيء منه. تفاصيل عندهم.
هذه الأمور لا على مستوى الروايات في مدرسة أهل البيت، فيها نفس الوضوح. ولا على مستوى التقاليد العامة والشعبية. وإن كان هناك قسم من الناس ربما، مارس مثل هذه الأمور. لكن حضورها في أتباع مدرسة أهل البيت، ليس كحضورها في المدرسة الأخرى.
نعم، توجد بعض الإجابات، نحن نجدها، مثلا: كما أجاب به المرجع الديني المرحوم الشيخ التبريزي – أعلى الله في الجنان مقامه – في كتابه: في صراط النجاة. فمن جملة الأسئلة التي سئل عنها: هل أن مسألة العين، بين قوسين (الحسد) ثابتة من النصوص الشرعية، وأنها واقع حقا أم لا؟
طبعا، هنا في السؤال - كما يُلاحظ - أن السائل جعل العين هي نفس الحسد. وهذا من الناحية العلمية غير صحيح. وقد سبق أن ذكرنا أن هناك فرقا بين العين وبين الحسد، وأن بينهما - كما يقول المناطقة – عموم من وجه.
على كل حال، الجواب، الجواب من قبل المرجع الديني المرحوم الشيخ التبريزي، في سؤال: هل هي واقع حقا أم لا؟ قال: "لا يبعد ذلك". يعني: ليس ببعيد. لا هو أمر حتمي، ولا هو نفي حتمي. ليس ببعيد. ولعله يشير إليه قوله تعالى: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ). ونحن في حديث سابق، بينا أكثر من وجه محتمل لتفسير هذه الآية المباركة. وهذا التفسير من هذا المرجع الراحل يشير إلى التفسير المشهور والمعروف.
فيما بعد أيضا، يسأل سؤالا: ما هو الحكم بالنسبة لمن ينكر ذلك؟ إذا أحدهم ينكر ويقول: أن مثل هذه، تعتبر من الخرافات. فيقول مثلا: أن العين من الأمور الخرافية، وليس لها من الواقع نصيب. ولو كان لها واقع لما بقي ملك سلطان على حاله، ولملك مثل هؤلاء، يعني: العائنون، العالم.
الجواب: إذا اعتقد شخص أنها من الخرافة، فلا يؤثر ذلك على الغير. والاعتقاد بمثل هذه الأمور وعدم الاعتقاد بها، لا يضر بالشخص. بعبارة أخرى: هذه ليست من جملة العقائد التي يجب أن يعتقد بها الإنسان، بحيث لو لم يعتقد بها مثلا، كان هناك إشكال في عقيدته.
لنفترض أن إنسانا من الإمامية، لم يعتقد بعصمة الأئمة، هذا يوجب إشكالا في تشيعه. لا بد أن يعتقد بعصمة الأئمة، وإلا فإن ذلك - يعني عدم الاعتقاد بعصمة الإمام – يخدش بكونه شيعيا وإماميا. لو اعتقد إنسان بعدم عصمة النبي (ص)، لذكره صلوا عليه. اللهم صل على محمد وآل محمد. فإن هذا ينتهي إلى خدش في اعتقاده برسالة رسول الله (ص). لكن لو إن إنسانا مسلما، أو إنسانا شيعيا، لم يعتقد بأن العين مؤثرة وضارة، هل يخدش هذا في عقيدته؟ كلا. لا سيما إذا لم تتم عنده تلك الروايات التي تحدثنا عنها. أو لم تكن صريحة في دلالتها عليه.