الاصابة بالعين هل تثبتها الروايات او العلم ؟ ١٠

الاصابة بالعين هل تثبتها الروايات او العلم ؟ ١٠
00:00 --:--

ولذلك أيضا، تحولت هذه إلى جزء من التقاليد الشعبية، حسب التعبير، والآثار التي نراها. مثلا: بناء على أن هذه حقيقة نهائية لا كلام فيها، أصبحت قضية الرقية في الوسط الشعبي في مدرسة الخلفاء، شيئا كثيرا جدا. وأصبحت القراءة على الماء، وعلى الزيت، ثم دهن الجلد بهما، فهما مقروء عليهما، شائعا ورائجا. بل وأصبحت تجارة. فعند كثير من الناس تحولت هذه إلى مصدر دخل مهم لهم.

وأصبح جزء من الفضائيات، شغلها الشاغل: هو الرقية، ومحاربة آثار العين حسب التعبير. وهذا كله يكشف عن أن هذه القضية، ضمن أجواء مدرسة الخلفاء، من جملة الحقائق والمسلمات التي لا تقبل النقاش في وسطهم. وحضورها في أتباع هذه المدرسة حضور قوي جدا، على مستوى العلماء، وعلى مستوى العامة. أي: عامة الناس.

على خلاف هذا الأمر تقريبا، ما نجده في مدرسة أهل البيت. فلا نجد مثلا هذه الأحاديث الكثيرة، ولا هذه الأحاديث الصحيحة، ولا هذا الحضور المكثف والكبير لقضية العين وما يتبعها من القراءة والرقية وأمثال ذلك. وإن كانت توجد، ولكن في مواضع محدودة. فليس حضورها – لا على مستوى العلماء – حضور قوي وكبير، بحوث مثلا، قد لا نجد في هذا الجانب بحوثا تؤكد هذا المعنى. وإنما تقف منه في كثير من الأحيان موقف التسليم على مضض، أو موقف المناقشة، أو موقف المخالفة.

ولما نأتي إلى الروايات، أيضا نجد: أن الروايات الواردة في هذا الباب، غالبا لا تتمتع بميزة الاعتبار. مثلا، لو أردنا أن نقرأ في الكافي، رواية: عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): "رَقَى النَّبِيُّ حَسَنًا وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَاتِ وَأَسْمَائِهِ الحُسْنَى كُلَّهَا، مِنْ شَرِّ السَآمَّةِ وَالهَامَّةِ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ". الشاهد: في العين اللامة، أي: العين التي تلم بالإنسان وتضر به، (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)، ثم التفت النبي إلينا وقال: "هَكَذَا كَانَ يُعَوِّذُ إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ"، يعني: ابنيه.

هذه الرواية، على أكثر المسالك، إن لم تكن كلها، غير نقية السند، ضعيفة من حيث السند. ولا تتميز بميزة الاعتبار. ومثلها أيضا، رواية أخرى، أيضا ضعيفة، في الكافي، في قضية الاغتسال من ماء اغتسل فيه الجُنُب. في بعض الأماكن، لا سيما في السابق، كان الحمام فيه مكان يسمى بالخزينة. مكان معين، يغتسل فيه الناس، وهو بمقدار الكر أو أكثر. فيأتي أحدهم ويغتسل فيه، ويأتي ثان ويغتسل فيه أيضا. فهناك سؤال، أحد من الأصحاب يسأل الإمام (ع) عن الاغتسال من ماء اغتسل فيه الجُنب. إلى أن يقول السائل: "إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ أَنَّ فِيهِ شِفَاءٌ مِنَ الْعَينِ"، فقال: "كَذَبُوْا، يَغْتَسِلُ فِيهِ الجُنُبُ مِنَ الحَرَامِ، وَالزَّانِي، وَالنَّاصِبُ الَّذِي هُوَ شَرُّهُمَا، وَكُلُّ خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ، ثُمَّ يَكُونُ فِيهِ شِفَاءٌ مِنَ الْعَيْنِ. إِنَّمَا شِفَاءُ الْعَيْنِ قِرَاءَةُ الحَمْدِ وَالمُعَوَّذَتَيْنِ وَآيَةِ الْكُرْسِي ..."، إلى آخر الحديث.

فالشاهد هنا، كأنما في رد الإمام (ع): إنما شفاء العين في كذا وكذا. كأنما الإمام (ع) يريد أن يقول: إن العين من الممكن أن تضر، ولكن شفاءها ليس بالاغتسال بذلك الماء الذي اغتسل فيه جنب. وإنما شفاءها بقراءة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذتين. إذن، من هذا يتبين: أن العين لها أثر.

غير أن هذا الرواية بدورها، رواية ضعيفة من حيث السند. ورواية ثالثة، في كتاب الفقيه: من لا يحضره الفقيه، "لَا يَدَعُ الرَّجُلُ"، عن أحدهما، يعني: الإمامين الصادق أو الباقر، "لَا يَدَعُ الرَّجُلُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ مَنَامِهِ: أُعِيذُ نَفْسِي وَذُرِّيَّتِي وَأَهْلَ بَيْتِي وَمَالِي، بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ". أيضا هنا، أورد ذكر العين اللامة التي تلم بالإنسان وتؤذيه أو تضره. فتعوذ منها بهذه التعويذة. ومما قد يستفاد منه: أن الإمام (ع) يؤكد وجود العين التي تضر. وهذه الرواية وإن كان فيها إشعار بالتعويذ، إلا أنها أيضا رواية ضعيفة في مصادر الإمامية. ومثلها رواية رابعة، في دعائم الإسلام، وفي نهج البلاغة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة