ميزات الخطبة الفدكية ومواضيعها

ميزات الخطبة الفدكية ومواضيعها
00:00 --:--

   فتقول عليها السلام : ( اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها )، وبقي العلماء فترة يبحثون فقط في هذه الجملة " لا من شيء كان قبلها " ولماذا لم تقل الزهراء عليها السلام ابتدع الأشياء من لا شيء كان قبلها، وهذا بحث مهم في العقائد، من جهة يوجد هنا تركيز في الجانب العلمي العقدي الفلسفي في معرفة الله عز وجل أو عندما تتحدث عن القرآن الكريم أو عندما تستدل استدلالاً فقهياً مفصلاً ، كيف يمكن أن يستدل الإنسان بالقرآن الكريم كقضية العام والخاص ؟ هل هناك مانع من انعقاد العموم؟ وغير ذلك من المباحث التي يذكرها علماء الفقه والأصول فهذا الجانب العلمي موجود في خطبة الزهراء عليها السلام والجانب العاطفي والمشاعري والإثارة القلبية أيضا كانت موجودة في ثنايا هذه الخطبة ، ولذلك تفاعل الناس بالبكاء عند استماعهم للخطبة، فهذا دليل على أن هناك إثارة عاطفية ( إيْهاً بَنِي قَيْلَةَ! أاُهْضَمُ تُراثَ أبِي وَأنْتُمْ بِمَرْأى مِنّي وَمَسْمَعٍ، ومُنتدىَ وَمَجْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وتَشْمُلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَأنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالأَداةِ وَالْقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَالْجُنَّةُ؛ تُوافيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأْتيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغيثُونَ) أو في موضع آخر تقول: ( ألا وَقَدْ قُلْتُ ما قُلْتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خامَرَتْكُمْ )

كما أنها تضمنت تقريع من خلال المخاطبة العاطفية وضرب على الأوتار الحساسة ، فهذا تأريخكم ( نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ حَتَّى دَارَتْ بِنا رَحَى الإْسْلامِ، وَدَرَّ حَلَبُ الأَيّامِ،  – أي أنكم في ذلك الوقت وليتم أدباركم - وَدَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ- أي تراجعتم عن كل تلك المواقف السابقة –) هذه الجهة العاطفية في أرقى درجتها وهناك الجهة العلمية كذلك كانت في أرقى درجتها .

المنهج المنطقي لإحداث التغيير في المجتمع :

هذه الخطبة تجمع بين خطابين ، خطاب لعامة الناس وخطاب لرئيس الدولة ، عادة في الأعمال السياسية يكون هناك أحد منهجين لتحقيق المطالب:

المنهج الأول :   الذي يقول بأنك إذا أردت أن تحقق مطالبك اكتب لرئيس الدولة، خاطب رئيس الدولة مباشرة ليس لك شغل بعامة الناس، لا تتحدث بشكل علني وجماهيري لعامة الناس.

المنهج الآخر :   أن تحقق مطالبك من خلال تحويل القضية إلى قضية رأي عام، والرأي العام يشكل ضغطاً على رئاسة الدولة ، وهذا ملحوظ في الغرب مثلا كيف أن بعض الزعماء الدينيين أو السياسيين يخاطبون جماهير الناس فينزل الجمهور إلى الشارع ويضغطون على الرؤوساء والحكام، فهذان منهجان مختلفان. 

أي منهج استخدمته الزهراء عليها السلام لمحاولة إحداث التغيير؟

   الزهراء عليها السلام في هذه الخطبة جمعت بين النهجين، في نفس الوقت الذي خاطبت الأنصار وهم القوة الكبرى في المدينة الذين كانوا محل اعتماد النبي صلى الله عليه وآله ، حتى أن النبي صلى الله عليه وآله عندما يريد أن يتخذ قراراً عاماً كان ينتظر خبر الأنصار.

   ففي قضية بدر مثلاً حينما وصل الخبر إلى النبي صلى الله عليه وآله أن قريش حركت قواتها باتجاه المدينة المنورة للقتال مع أصحابه ، أخبرهم بذلك وقال لهم أشيروا علي ، فقام بعض الصحابة وقال : ( هذه قريش وخيلاؤها ما ذلت منذ عزت ) أي أن قريش ليست بالأمر السهل ، فلم يعجب ذلك القول رسول الله صلى الله عليه وآله ، وبعدها قام آخر وقال نفس الكلام أو قريب منه ولم يعجب الرسول فقال الرسول صلى الله عليه وآله أيضاً : إيه – تأوه خارج من القلب - ، فقام هنا ابن عبادة وقيل سعد بن معاذ - وهما أنصاريان - فقال للرسول صلى الله عليه وآله: وكأنك تريدنا يا رسول الله ، فقال الرسول صلى الله عليه وآله : بلى، فقال يا رسول الله إنا آمنا بك ، صدقناك واتبعناك فاخض بنا البحر فلو أمرتنا أن نخوضه لخضناه معك - يعني أي شيئ تريده يا رسول الله نفعله تريد نخرج للقتال نخرج ، تريد نتحصن سوف نتحصن ، نحن رهن إشارتك وطوع أمرك - فَسُر رسول الله صلى الله عليه وآله  بذلك ، وهؤلاء الأنصار كانوا يشكلون القوة الكبرى في المدينة لأن المهاجرين في ذلك الوقت كانوا عدد محدود.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة