نحن نجد أن هناك مفسرين كثيرين من مختلف المدارس الفقهية، يفسرون القرآن الكريم وفي كثير من الآيات يكون تفسيرها تفسير صائب، فنجد الإنسان المسلم الذي يعرف اللغة العربية عندما يقرأ القرآن لا يقرأ ألغازاً وإنما يقرأ آيات يعرف معانيها بحسب تعقله وقدرته الذهنية، فإذن ظواهر القرآن الكريم بهذا المعنى حجة لذلك.
قالت سيدتنا الزهراء عليه السلام بعد ما وصفت القرآن الكريم كِتابُ اللهِ النّاطِقُ، والقُرْآنُ الصّادِقُ، وَالنُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللاّمِعُ تقول بينة بصائرة متجلية ظواهره، هذه الظواهر والبصائر واضحة للناس يستطيع الإنسان أن يصل إليها.
بلاغة الزهراء عليها السلام في طريقة الاقتباس من القرآن الكريم:
قسم آخر من أحاديث السيدة الزهراء عليها السلام حول القرآن في هذه الخطبة ما يرتبط بالاقتباس القرآني وهذا من آيات البلاغة العجيبة في لسان هذه المرآة الجليلة صلوات الله وسلامه عليها، الاقتباس في اللغة العربية من فنون الشعر والنثر وآيات البلاغة ، أن يكون الخطيب أو الشاعر قادراً على اقتباس كلام لغيره وتضمينه في كلامة هذا يسمونه اقتباس.
والكلمة جاءت من القبس في قضية نبينا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال ( لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى )[١٠]، عندما خرج مع زوجته بعد أن وفى لنبي الله شعيب بما اتفقا عليه من الأجرة ( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ )[١١]، نبي الله موسى عليه السلام مع أن الاتفاق كان على ثمان سنوات من العمل لكن أتمها عشر سنوات.
وهذا مطلوب من الإنسان أن يتم للطرف الأخر ، على خلاف ما قد يوجد عند بعضهم ، فهذا مثلا لديه سائق يعمل عنده بألف ريال ألف مثلا ، فيحاسبه حين الراتب على النقير والقطمير. لأنك فعلت كذا ينقص من راتبك هذا المقدار ، ولأنك تركت كذا يخصم عليك هذا المقدار. غير أن نبي الله موسى يجعل تماماً ووفاءً فوق الاتفاق عشرين في المائة تقريباً أصل الاتفاق ثمان سنوات عمل في مقابل أن أتزوج بنتك هذا هو الوفاء، ويعلمنا القرآن من خلال ذلك أنه عندما تريد أن تعطي فأوف الكيل ، ولا تكن من المطففين ( الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ )[١٢].
نبي الله موسى خرج في ليلة برد شاتية ومعه زوجته وأغنامه فلاحت له نار من مكان بعيد في الصحراء قال ( إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً )[١٣] فذهب موسى عليه السلام ليقتبس ناراً أي يأخذ قبساً، ومن هنا أُخذ هذا المصطلح في اللغة العربية. فحينما يتكلم إنسان ويستشهد بكلام شاعر أفضل منه ، يقال اقتبس منه وهكذا متحدث يتحدث فيقتبس من كلام الله عز وجل أو من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ليقوي المطلب .
اثنا عشر اقتباسا بديعاً للزهراء عليها السلام من القرآن الكريم:
فاطمة الزهراء عليها السلام قامت بالاقتباس من آيات القرآن الكريم في عملٍ بلاغيٍ لا نظير له، فالاقتباس أيضا درجات أعلاها ما إذا كان الكلام المأخوذ من القرآن الكريم يجري مع كلام المتكلم، كأنك لا تدري كأن هذا قرآن متسلسل بحيث يضمن الآية أو جزء من الآية. الزهراء عليها السلام في هذا المقدار التي خطبتها في المسجد وهي ليست طويلة تعتبر بالمقدار الذي وسع الوقت وُجد أن هناك أثنا عشر اقتباس لها من القرآن الكريم من أبدع ما اقتبسته سلام الله عليها بعضها آية أو جز من آية بعضه لا، أكثر من آية في جملة واحدة وتتركب كأنما هي كلام واحد.