يتمنى لو أن ذاك الشخص يسقط، يتعثر. حتى ماذا؟ لا يصبح موقفه هو موقف ضعيف. وهكذا تتربى هذه الخصلة فيه. فلما يكبر أيضا، نقول له: لماذا لست مثل ابن عمك؟ ولست مثل ابن خالك؟ ولماذا لست كذا؟ فيبدأ، حيث أنه لا ينافس لأي سبب من الأسباب، يحسد أولئك. بمعنى: أنه يتمنى لو أنهم لا يأتون بدرجة في الامتحان. أو أنهم يسقطوا ويرسبوا فيه؛ حتى يأتي لوالده او والدته، ويقول لهما: انظرا، ذاك فلان، دخل في الامتحان وسقط، وأنا حققت مثلا ٨٠%. يتمنى هذا. فأنا هكذا أبدأ أزرع فيه بذرة الحسد بصناعة الغيرة من الآخرين. وهذه مشكلة من المشاكل.
أنا، هل لدي هذه الغيرة أم لا؟ إذا رأيت زيد من الناس، موفق في شيء من الأشياء، هل أغار منه، أم أتمنى له أن يبقى على ما هو عليه، وأن يكون لي مثله؟ إذا بدأت الغيرة، فمعنى ذلك: أنني قد بذرت بذرة الحسد في نفسي أو في ابني أو في زوجتي.
آتي إلى الزوجة وأقول لها: اليوم أكلت من يد فلانة زوجة فلان أكلا طيبا، ما أكلت ولا سآكل مثله. هذه الزوجة، قد لا يكون لديها من الخبرة في الطبخ بنفس مقدار تلك. فماذا تصنع؟ تتمنى لو تلك لا تطبخ بنفس الجودة حتى لا يأتي زوجها يعيرها بها ويستثير بها غيرتها عليه. بينما أنا ربما أقصد أن أقول لها: أنه ينبغي أن تهتمي بالطبخ بشكل أفضل. لكن بهذا الأسلوب أكون غرست في نفسها الغيرة التي هي بداية للحسد.
أو الزوجة تأتي، فتسألها: أين كنت؟ عند فلانة. ما شاء الله على أبي فلان، زوجها، لا تكون عطلة، حتى لو أربعة أيام، إلا وحجز لهم إلى أوربا، أو آسيا، هو سيرته هكذا. أما أنا فليس لي غير المدينة وفلان مكان. ربما هذا الزوج لا تكون لديه القدرة المالية الكافية ليسافر. ثم من أوجب السفر في كل عطلة! هذه من العادات غير الحسنة التي بُرمجت عليها بعض المجتمعات. فمع كل عطلة ولو بمقدار أربعة أيام أو خمسة، لا بد من سفر. كأنما شرعا على الواحد منا أن يسافر، ويصرف مقدارا من المال. الآن هذا الزوج لا يستطيع. قدرته المادية لا تسمح له بذلك. ولأن قدرته المادية لا تسمح له، فبعضهم قد يتمنى لو أن زوج فلانة أيضا تذهب من عنده تلك القدرة المادية حتى لا يعير به. ولا تستثار غيرته بواسطتها، هذه نقطة.
النقطة الأخرى، إذا تألم الإنسان من مدح الغير، يتبين أنه إنسان حاسد. قسم من الناس عندما تمدح أمامه شخصا، يتصور أنك تذمه! لا، أنا أمدح فلان حاليا، ولا أقول إنك إنسان سيء. أقول: هذا عالم جليل. ولم أقل: إنك غير عالم. أقول: هذا خطيب جيد، ولم أقل: إنك لست بخطيب. أقول: هذا موظف مثابر. ولم أقل: أنت كسول. أقول مثلا: هذه زوجة مدبرة، ولم أقل: ليس عندكِ تدبير.
فإذا صار الإنسان يتألم من مدح غيره، فهذه بداية للحسد. لا بد أن يراقبها الإنسان. فأنت تتألم لأن زيدا من الناس إنسان موفق وممدوح ومثنى عليه. هذه بداية غير حسنة. فلا بد أن يضبط الإنسان نفسه في هذه الجهة.
المرحلة الأسوأ من هذه: انتقاص المحسود وتشويهه. يأتي ويتكلم لك: أن فلانا مؤلف جيد. فإذا يسمع أحدا يثني على ذلك المؤلف الجيد، يقول: من المؤلف الجيد؟ هذا جامع للقصاصات من هنا وهناك، وسارق من أشياء غيره. سآتي لك بأدلة، سأبحث لك وأثبت لك أنه سارق! هذا أيضا، الحسد، أس اثنين – كما يقولون.
ما الذي يضرك لو أن إنسانا مدح وأثني عليه؟ ما الذي يحز في قلبك؟ ماذا يؤلمك؟ بماذا تضرر؟ ماذا ينقصك؟ يأتي يقول: فلانة في الطاقم الطبي، وصلت إلى درجة عالية خلال سنتين فقط. الثانية تأتي تقول: وصلت لدرجة عالية! هذه لو ما أعطت كذا وكذا إلى مديرها، ما وصلت. الله أعلم. ماذا يضركِ لو أن واحدة من زميلاتك تقدمت؟ ماذا ينقصكِ؟ لماذا تشوهين سمعتها؟ لماذا تنتقصين منها؟ وهكذا.