لماذا يكونون بذيئي اللسان ؟ ٣

لماذا يكونون بذيئي اللسان ؟ ٣
00:00 --:--

مر أمير المؤمنين (ع) على رجل وقد أخذ في فضول الكلام، فقال له: "يَا هَذَا إِنَّكَ تُمْلِي عَلَى كَاتِبَيْكَ كِتَابًا"، على ملكيك كتابا، "فَانْظُرْ مَاذَا تَقُولُ". أنت تعبئ هذا الملف ليؤتى به إليك يوم القيامة، فهل ينفعك هذا الكلام أم لا. فكيف إذا كان فيه – أي في الكلام - هذه الأضرار: غيبة شخص، تهمة شخص، سباب شخص - مع أن سباب المسلم فسوق - فماذا تملي على كاتبيك؟

لو أن إنسانا فكر في أن هذا الكلام الذي يقوله - في حال رضاه وعصبيته - هو جزء من الملف الذي يعبئه ويملؤه، لكان ينبغي أن يقتصد كثيرا في هذا الكلام.

في الحديث عن نبينا المصطفى محمد (ص): "يَا عَلِيُّ، حَرَّم اللهُ الجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَاحِشٍ بَذِيءٍ لَا يُبَالِي بِمَا قَالَ وَلَا مَا قِيلَ لَهُ". هذا الإنسان البذيء، الفاحش في القول، الذي لا يتأثر بما قال، ولا يتندم على الشيء الخاطئ الذي قاله، ولا يعتذر عنه، ولا يفكر فيه، ولا يبالي أصلا. سب، وشتم، ثم ذهب وجعل رأسه على الوسادة، ونام في أعمق درجات النوم. ولا فكر أصلا أنه قد ارتكب شيئا مخالفا، وملأ ملفه بما هو محاسب عليه.

هذا انعدام الشعور بالرقيب الداخلي الديني والأخلاقي، وانعدام القانون الخارجي والخوف من القانون. أحيانا الإنسان حتى إذا ما كان عنده رقيب داخلي، لكنه يخاف من رقيب خارجي، كقانون يجرِّم الإساءة إلى الآخرين. كما قلنا في قضية القذف، فهناك حد شرعي. وفي غير القذف الجنسي، فهناك تعزير شرعي.

فإذا هذا القانون، التفت إليه الإنسان وعلم أنه موجود، يتراجع آنئذ. قبل مدة كتبت الصحف، أن أحد الدعاة -حسب التعبير – تكلم على أحد المحامين، بكلمات من نوع: أن هذا علماني، يدعو إلى الفسوق، ويدعو إلى التغريب، ويريد أن يفسد الأخلاق، وما شابه ذلك.

وهذا بما أنه الداعية، يكون هو الإنسان الذي ممسك الجنة بيده، والقائم على توزيع الآخرين على النار. فبدأ يتكلم هذا على المحامي. بنحو ظل كلامه مدوَّنا عليه ومسجلا. وبعد مدة من الزمان، وهذا محامي، ليس لديه ما يسمى بلحية مسرَّحة، كما يقولون. أعلن أنه بدأ في رفع دعوة في المحكمة على ذلك الداعية: أن هذا، يتهمه بنشر الفسق والفجور وأنه إنسان غير متدين، وهذا يعتبر قذف بهذا المعنى له، واتهاما له في دينه، وعلى ملأ عام، وهذه هي الاثباتات. وهذا أمر له قانونه. فسرت الدعوة في المحكمة، وانتشر أنه لن يتنازل.

بعد ذلك، هذا الداعية الذي كان قبل أيام رافع الراية، حسب التعبير. عرف بأنه من الممكن أن يؤاخذ بما قال. فسارع إلى الاتصال بالمحامي للاعتذار: أنه أنا أعتذر عن الكلام الذي صدر مني وكذا. فقال له المحامي: لا، ليس بهذه السهولة. أنت هتكتني أمام الملأ، والآن تأتي بالتلفون، تعتذر هكذا. إذا تريد أن أتنازل فلا بد أن تعتذر على نفس الوسيلة، وبنفس الطريقة التي هتكتني بها. ويكون اعتذارا صريحا، وإلا، فالدعوة جارية في إطارها القانوني.

وفعلا، هذا لم يجد وسيلة إلا أن يعتذر اعتذارا صريحا، وأن يتراجع بشكل حقيقي لا مجال فيه للتأويل، عن أنه: أنا أخطأت في كلامي عن هذا الموضوع، وأنا أعتذر للشخص المعين، وهو رجل، طيب، خبير، وكذا، إلى غير ذلك.

فإذا عرف الإنسان أن هناك قانونا، وهذا القانون من الممكن أن يمضي عليه. الزوج - على سبيل المثال - اتهم زوجته في عرضها. إذا تثبتُ عليه هذا، تحاسبه في المحكمة. عكس ذلك، هي اتهمت زوجها في أمره وانحرافه، يستطيع أن يقوم بنفس الفعل. شخص لشخص آخر، ممكن أيضا.

أحيانا الإنسان يحتاج إلى نصيحة، وأحيانا يحتاج إلى واعظ داخلي، وأحيانا يحتاج إلى قانون يجر عليه السوط. قسم من الناس لأنهم يأمنون القانون، والفرض: أن لا رقابة داخلية لديهم، فانظر ماذا يصنعون! ومن أمثلة ذلك – أي أمثلة الأمان عن القانون - ما نجده في وسائل التواصل، وعلى الانترنت.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة