واحد من الأسباب: البيئة الاجتماعية التي ينمو فيها الإنسان. فعندما يكون في بيئة اجتماعية، بدءا من الأسرة والبيت، ومرورا بالمحلة والفريق - حسبما يقولون - والمدرسة والجامعة فيما بعد، وهكذا الحي والبلدة التي يعيش فيها. فإذا الإنسان في هذه الحلقات عاش في بيئة نظيفة اللسان، عفة اللسان، يصعب عليه فيها أن يشتم غيره، أو أن يتهاجى فيها مع الآخرين، فهو أيضا ينمو بنفس الطريقة، نظيفا، عفيفا.
ولذلك، ينبغي أن نلتفت أيها الأحباب - في داخل منازلنا - إلى الكلام الذي نتحدث به، حتى في التلفون. لنفترض: أن زيدا من الناس قد ارتكب اتجاهك أمرا سيئا، وأنت الآن غاضب منه، وتدعوك نفسك إلى أن تتكلم بكلام حاد معه. فلا تجعل هذا أمر معلن للجميع. كأن تكون في الصالة، وزوجتك جالسة، وأبناؤك جالسون، وأنت تتكلم معه كلاما حادا، وربما انزلقت - على أثر العصبية والغضب - إلى كلمات هجينة وشائنة.
فأنت هنا، من دون أن تقصد، تطبِّع البيت لو كان فيه كلام سيء. فالزوجة ستعتبر أن وجود هذا الكلام في البيت أمر عادي جدا؛ لأنك تكلمت به. لو سببتَ أناسا في داخل بيتك، وهم يسمعونك – أي العائلة – فأنت في الواقع لم تجعل لهذا البيت حرمة بالنسبة إليهم. فالزوجة آنئذ لن تمانع أن تسب آخرين أمامك، وأن تتكلم فيهم وعنهم بهذا الكلام؛ لأن زوجها - وهو واحد من القدوات بالنسبة إليها - يصنع ذلك. والأثر في حق الأولاد أكثر وأكثر.
لذلك ينبغي أن يلاحظ الإنسان كلامه في حال العصبية. أنت هنا أيها الأخ الفاضل تعلم أبناءك - من دون أن تقصد - كيف سيتكلمون مع زوجاتهم في المستقبل. بل كيف يتكلمون مع أمهم. إذ لو رفعت صوتك وصرخت عليها، الابن يتعلم هذا. حتى لو قلت له: "لا ترفع صوتك على أمك". سيظل في باله، في ذهنه: "لكنك رفعت صوتك في محضري". والفعل أكثر تأثيرا من القول.
فالبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان مؤثرة في عفة لسانه وبذاءته. مثلا: ابنك يذهب إلى المدرسة، فيتعلم بعض الكلمات. عندما يأتي إلى البيت، ويحاول أن يكررها، كأن التقط كلمة من المدرس قد قالها إلى أحد من الطلاب، مثل: "يا حيوان"!، حاشا من يسمع. أو يسمع تلميذا من التلامذة قال إلى زميله: كذا وكذا. فأنت ما صنعت هذا الشيء. لكن ينبغي منك أن تقف أمامه وأن تلاحظ عليه. ولو أمكنك أن تتصل بمدرسته ومدرسيه، فهذا شيء طيب. لكيلا يتعلم أن يقول لأخيه الأصغر منه أو الأكبر مثل هذه الكلمات التي نقلها من أماكن أخرى، أو ما يستهجن ذكره. كأن يسمع شخصا في المدرسة، يقول لشخص آخر معيرا إياه بذكر أمه أو بذكر بعض ما يستقبح. هنا لا بد من تطهير لسانه وغسله بعد أن يأتي إلى المنزل.
من الأمور التي قد تنتهي بالإنسان إلى البذاءة: انعدام الرقيب الداخلي الديني والأخلاقي. فقسم من الناس يغفل عن أنه: عندما يتكلم، فهناك من يسجل عليه. فيشتم هذا، ويغتاب ذاك، ويتهم الثالث. فهل أنت ملتفت إلى أنك تعبئ ملفا هو ملفك؟ هذا الملف يوم القيامة عندما يؤتى به إليك. بماذا هو مملوء؟ مملوء بذكر الله عز وجل؟ مملوء بالدعوة إلى الخير؟ (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)، مملوء بكلمات الود لزوجتك وأخيك المؤمن وأبنائك؟ أو هو مملوء شتائم وفحش قول وأمثال ذلك؟ أنت تعبئه.
مر مولانا أمير المؤمنين (ع) على رجل وقد أكثر في فضول الكلام. فضول الكلام ليس سبا. فضول الكلام: هو أكثر حواراتنا في المجالس والديوانيات. فعندما تخرج بعد جلسة من ساعتين أو ثلاث ساعات في هذه الديوانية - وفي بعض الحالات، ديوانيات على مدى كل ليلة. بعد أسبوع، هذا الإنسان بمعدل كل ليلة، لمدة ساعتين، يسمع كلاما، وحاصل: ٢ في ٧ = ١٤ ساعة، يأتي ليحصد ناتج ١٤، ماذا حصَّل منها؟ زاد علما، زاد هدى، سلوكه أصبح أحسن، رؤيته في الحياة أصبحت أفضل، أو لا، كلام يذهب مع الريح. هذا فضول الكلام. لا فيه غيبة ولا نميمة. فقط كلام غير نافع. تقول الآن: يا أمير المؤمنين إذا أنت معترض على فضول الكلام فما ظنك بالكلام الذي فيه آثار شرعية؟