فالكلام الذي تمرره على لسانك، مثله مثل سائل تمرره على ثوبك الأبيض. فإذا كان هذا السائل، سائل فيه لون، فيه قذارة، فيه اسوداد، حتى لو عبر إلى الجهة الأخرى، لكن آثاره تبقى. أما إذا كان هذا السائل ماء زلالا صافيا رقراقا، فيمر من هنا ويعبر، وربما نظف الثوب الذي أنت تلبسه.
فالكلام السيء كما يمر على لسانك، في الواقع يمر على روحك وشخصيتك أيضا. فلو كان كلاما طيبا حسنا، أثَّر فيها حسنا. وهذا واحد من فلسفة أن يشغل الإنسان لسانه بذكر الله عز وجل. إذ مستحب للإنسان أن يذكر الله في قلبه، ومستحب له أن يذكره بلسانه. فلما هذه الكلمات: سبحان الله، أستغفر الله، الحمد لله، الله أكبر، وما شابه ذلك، تمررها على لسانك. ففي الواقع، هذا ماء زلال صاف عذب تمرره على ثوب شخصيتك، فيكسبها نظافة وطهارة ونزاكة.
وقسم من الناس على خلاف هذا. تجده كما ذكرنا. فلماذا هذا القسم من الناس يختار هذا الطريق؟ ذكروا: أن هناك أسبابا متعددة لكون الإنسان – حاشا من يسمع – بذيء اللسان. نحن نتعرض إلى بعضها؛ لكي نجنب أنفسنا هذه الأسباب.
أحد هذه الأسباب: مهانة الشخصية. الإنسان الذي لا يرى لشخصيته قيمة، ولا يرى لذاته اعتبارا، حسب تعبير أمير المؤمنين (ع): "لَا يُبَالِي مَا قَالَ وَلَا مَا قِيلَ فِيهِ". أي شيء يتكلم، لا يبالي أصلا. سب هذا الرجل مثلا، لا يعنيه أن سبه! تكلم بكلام فاحش وقبيح، لا يرى أن شيئا من شخصيته قد تغير أو تبدل. فلا يستنكر على ذاته هذا الشيء. أما الإنسان الذي يمتلك شخصية واعتبارا وذاتا كبيرة، عندما يقول كلاما سيئا، يرى ذلك غير مناسب لذاته ولشخصيته.
وربما تجد هذا الأمر موجودا في المجتمع. أنت من الناس المؤمنين، وأنتِ – لو كانت امرأة – من المؤمنات. إذا كانت صاحبة أو صاحب شخصية معقولة، عندما تتكلم بالفحش، يقال: كيف تتكلم هذا الكلام! أبدا غير متوقع منك! هذا فلان الذي نعرفه! هذه فلانة التي نعرفها! صاحبة الذات الجيدة والشخصية المحترمة، أمعقول أن يخرج منها هذا الكلام؟ أما صاحب الشخصية المهينة، بتعبير آخر: السفلة من الناس – حاشا من يسمع - وهذا يستطيع الإنسان أن يضع نفسه في هذا الموضع أو في ذلك الموضع.
هذا القسم من الناس، أو بتعبير بعض الروايات: الذين تكره مصاحبتهم، بل حتى مبايعتهم. عندنا في الفقه مسألة: تكره مبايعة الأدنين من الناس. الأدنين: إما جمع أدنى، أو جمع دان. ذاك الذي لا يقيم لكلمته اعتبارا. لا يفي بمواعيده ومواثيقه. ذاك الذي بالنسبة له الكلام الفاحش أمر بسيط. فلو أخطأتَ في حقه لا مانع لديه يمطرك بالكلام السيء. هذا تُكره مبايعته، فضلا عن مصاحبته. هذا قسم من الناس.
من هو مهين الشخصية؟ هو: الذي يخرج منه كلام سيء وبذيء ولا تطرف عينه عندما يصنع ذلك. أحيانا الإنسان يكون في وسط جماعة، وفلان آخر يتكلم على شخص بكلام أنت تخجل أن تسمعه. لا أن تقوله! أن تسمعه حتى. فتنسحب أحيانا. بينما هو المتكلم أبدا، لا يكون في ذهنه شيء. وحاضر أن يزيد في العيار، كما يقولون.
فواحد من الأسباب التي تدعو بعض الناس إلى بذاءة اللسان، وإلى استعمال السباب والفحش والشتائم، والألفاظ غير الحسنة: مهانة الشخصية. بينما الدين أتى وقال للإنسان: أنت بعبادتك لله شيء كبير. أتحسب أنك جرم صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر، كما في الشعر المنسوب لأمير المؤمنين صلوات الله عليه.
فأنت بعبادة ربك شيء كبير. أنت مؤمن. ثمنك الجنة. وأعظم خلق الله عز وجل هو الجنة. وقد أعدها لك باعتبارك مؤمنا. فإذا عرفت أن شخصيتك وقيمتك بهذا المقدار، فهل آنئذ تنزل إلى أن تكون ألفاظك ألفاظ من يكون مهين الشخصية ولا ذات له؟! هذا واحد من الأسباب.