فالقرآن لا يباشر في الكلام. انظر: إذا أراد أن يتحدث عن عملية الإفراغ والإخراج، فلها ألفاظ جدا مباشرة ومستهجنة، وقسم من الناس غير الواعين، يحبذونها. لكن القرآن الكريم عندما يتحدث عنها يقول: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) أتدري الغائط ما معناه؟ معناه: المكان المنخفض. يقال: ذهبنا إلى غائط من الأرض. غائط من الأرض يعني: مكان منحدر. وقد عُرف هذا عن الناس. أي كان الناس إذا أرادوا أن يقوموا بهذه العملية، عملية الإخراج، يذهبون إلى هذه الأماكن حيث لم يكن في تلك الفترات الحمامات وبيوت الخلاء في البيوت. بل يذهبون ويُبعدون المرمى - كما يقولون - ويُبعدون في السير وينزلون في منخفض من الأرض حتى لا يُروا. فالقرآن الكريم أشار إلى هذه العملية بهذه العبارة بدل أن يستخدم اللفظ المباشر الذي فيه نوع من الهُجنة، ونوع من البذاء، فقال: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ). فهذه الأمور مع أنها معتادة للناس، من العلاقة الجنسية، أو الإفراغ من البدن، أو غير ذلك، إلا أن القرآن الكريم مع ذلك يريد أن يعلمنا عفة اللسان بهذا المقدار. وإلا قد يتعود الإنسان. فيبدأ من كلمات بسيطة، فلا يرى فيها مشكلة. ثم كلمات أعظم ولا يرى فيها مشكلة. وقد يساعده الجو الذي حوله أيضا.
يقول بعض الباحثين: الذي يستخدم مثل هذه العبارات هذه الكلمات: سباب، شتائم، ألفاظ مباشرة، غير ذلك. لا بد أن يُبحث في وضعه النفسي فهو وضع غير طبيعي؛ لأن الإنسان فُطِر وخُلق ومعه الحياء. و"الحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ"، وهذا لا يرتبط بالقول المشهور: لا حياء في الدين. بلى، كل الحياء في الدين.
نعم، لا ينبغي أن يخجل الإنسان في مسائله الشرعية، ويظل مثلا مدة من الزمان في وضع الجاهلين؛ لأنه خَجِل أن يسأل عن غسل الجنابة، مثلا. لا، هنا لا ينبغي الخجل. أما الحياء فهو شعبة من الإيمان. بل هو كل الإيمان. الحياء، كل الحياء في الدين. فإذا رأيت أحدهم ليس من هذا القبيل، فلا بد أن ترى أمره أمرا غير طبيعي.
ينقلون - وننهي بهذا الحديث - عن الحطيئة، جرول العبسي، وهو شاعر جاهلي، كان أكثر زمانه في الجاهلية، وأدرك الإسلام أيضا، لكن بعد وفاة رسول الله. أي لم يدركه مسلما. وهو – أي هذا الشاعر - مضرب المثل في الهجاء وفي سلاطة اللسان. كان أيضا – حسبما ينقلون في أحواله – ولد من جارية، ولم يعرف والده. وهذه نقطة من النقاط التي ربما جعلت هذا الشخص عندما يكبر وينمو، يكبر وينمو ناقما، فينتهي أمره إلى خلل نفسي.
لماذا نحن في الإسلام لدينا تشريعات تؤكد على جانب العفاف الجنسي، لا يحدث اختلاط في الأنساب، لا يحدث اختلاط في الأرحام، لا بد من العدة، لا بد من استبراء الرحم، وغير ذلك؛ حتى لا يصاب الطفل بمشاكل نفسية. هذا أحد أغراض تلك التشريعات.
فهذا الرجل عندما نما، أصبحت عنده قدرة شعرية قوية جدا، وأصبح يتكسب بالهجاء. آخرون يتكسبون بالبيع والشراء، لكن هذا يتكسب بالهجاء! فيمدح مثلا زيدا من الناس. فإن أكرمه الكرامة التي يتوقع ويروم، أي أعطاه شيئا وافيا كف حاله. وأما إن حرمه أو أعطاه شيئا ناقصا – كأن يتوقع منه مثلا ألفا، لكنه أعطاه غير ذلك. ٢٠٠، أو ٣٠٠، فقط – "فيا ويله ويا سواد ليله"، كما يقولون. وللأسف هذه ليست فقط في الجاهلية، فثم قسم من الناس هم هكذا، يسترزقون بالهجاء.
فذهب إلى أحدهم، اسمه: الزبرقان ابن بدر التميمي، فمدحه بقصيدة. الظاهر أن ذاك أعطاه مبلغا بسيطا، فرقعه الشاعر بقصيدة أخرى، مطلعها: "دع المكارم واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي".