التوسل والاستشفاع بالنبي (ص) عند المسلمين
كتابة الأخت الفاضلة فاطمة آل السيد
قال الله العظيم في كتابه الكريم: “وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا” صدق الله العلي العظيم.
من المواضيع التي يتشاطرُ فيها أتباعُ الإمامية مع أكثرية أبناء الأمة الإسلامية الفكرَ والرأيَ والممارسة موضوع التوسلِ والاستشفاعِ بالنبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وبالأولياء والأوصياء، في مقابل فئة من أبناء الأمة قليلة العدد اتجهت إلى المنع من قضية التوسل ولا سيما التوسل والاستشفاع بالنبي (ص) بعد وفاته ومغادرته للدنيا ..
فهم يقولون مثلا أن التوسل الأصلي ينبغي أن يكون بالأعمال الصالحة للإنسان، ثم بأن يذهبوا إلى رسول الله حال حياته، ويطلبوا منه أن يدعو لهم .. هذا المقدار هو الجائز عندهم .. وأما باقي المراتب فإن هذه الفئة القليلة من المسلمين لا تقبلها وتعدها بدعةً من البدع وربما ارتقت بها إلى الوصف بأنها شركٌ بالله ..
في مقابل ذلك يذهب الإمامية ومعهم أكثر أبناء الأمة من غير الإمامية إلى القول بأن التوسل بقسميه في أثناء حياة النبي والولي جائز، وبعد مماته أيضا هو جائز، وهذا أيضا بقسميه.
فتارةٌ يُدعى الله سبحانه وتعالى بحق النبي، بجاهه، بمنزلته، بفضله أن يستجيب للإنسان دعاءَه. تقول “اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد” .. أو “بجاه نبيك المصطفى” .. أو “بمنزلة الرسول عندك وأهل بيته .. اللهم إني أسألك بذلك كله أن تستجيب لي دعائي ، وأن تبلغني مناي وحاجتي” .. هذا نوعٌ من التوسل بحق النبي وبحق الوصي وبحق الولي.
وقسمٌ آخر أن تسأل من النبي أو الولي أو الوصي أن يسأل الله سبحانه في حاجتك، مثلا أن تخاطب النبي بأن تقول: “يا رسول الله، يا حجة الله على خلقه، كُن شفيعي إلى الله في قضاء حاجتي”
الحالة الأولى:
أن تسأل ربك سبحانه تعالى مباشرةً ولكن بحق النبي، بفضل النبي، بمنزلة النبي، وفي بعض الأدعية شرح أكثر من هذا، مثل “اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي لديك” أخلقته يعني جعلته خَلِقًا مُهَلهَلًا، الثوب تارةً يكون جديدًا، وتارةً يكون مهلهلا خَلِقًا بال، فكأنما الذنوب تصنع بوجه الإنسان هكذا، هذا الداعِ يقول “اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي لديك فإني أسألك بوجه نبيك محمد (ص)، وبجاهه، أن تستسجيب لي دعائي” أو في دعاء آخر “اللهم إني أسألك بمحمد وآل محمد الذين اخترتهم على علم على العالمين، أن تفعل بي كذا وكذا” فهذا السؤال لله ولكن بجاه النبي وجاه الوصي والولي ..
الحالة الثانية:
أن تتوجه إلى النبي (ص) فتقول “يا رسول الله كَن شفيعي إلى الله في قضاء حاجتي، يا رسول الله استغفر الله لي، يا رسول الله اطلب من الله قضاء حاجتي” وهذا ما فعله أبناء يعقوب بالنسبة ليعقوب في أيام حياته، قالوا “يا أبانا استغفر لنا” قال “سأستغفر لكم ربي” وأمهلهم فيما قيل إلى ليلة الجمعة ..
فإذن هذان النوعان من التوسل بالنبي أو الولي أو الوصي بعد موته الظاهري يعتقد به الإمامية ويشاركهم في الجملة أكثر أبناء الأمة، بينما انفردت فئة من المسلمين و رفضت أي ارتباط من هذا النوع بين الإنسان المسلم وبين من هو ميت، مات إذن انتهى، لا يستطيع التأثير في رأيهم، ولا يستطيع أن يحرك ساكنًا ولا أن يُسَكِنَ مُتحركًا.
سيكون حديثنا إن شاء الله في القسم الثاني وهو الذي اعتمد عليه الإمامية وأكثرية أبناء الأمة من الأدلة والوجوه في الاستدلال على أن التوسل بالنبي (ص) بعد مماته هو سائغٌ ومشروع، وأمرٌ قرآني، وسنةٌ من السنن، وقد بدأت قبل وجود النبي (ص) واستمرت إلى ما بعد حياته المباركة.