مُتَيَقِّظاً ، ويترتَّبُ عليهِ أن يكون جادًّا في عملِهِ وتحصيلِ رِزْقِهِ .. قال نبي الله يوسُف ( تزرَعُونَ سبعَ سِنِينَ دَأَباً ) بجِدِّية ، بإخلاص في العمل ، ولا تتصوَّر أن العمل بجدِّية يتعارض مع الآخرة ، كلا ، أنت هنا تحصل على الرزقِ لماذا ؟ إن كان عملُك لأجلِ هذه الدنيا تُصبِحْ دُنيوياً وإن كُنت تعمل في رزقِك من أجل أن تُنَعِّمَ أهلكَ ونفسَكَ وتدَّخِرَ لآخرتِك وتصرِف في سبيل الله فأنت تعملُ كل ذلك من أجل الآخرة ، تبتغي هذا للآخِرة . آتاك الله . لكن أنت تبتغي بذلك الدارَ الآخِرة وتعمل لها .. إذا نعَّمت أهلك ونفسك ، وصرفت على المحتاجِ والفقيرِ والمشروعِ الديني والاجتماعي ، فأنت تبتغي بهذا الرزق الآخرة ، جِدِّيَّةُ الانسانِ لا تتعارضُ مع زُهدِهِ
. هل نعتقد بأن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم كانوا زاهدين أو لا ؟ لا ريب أننا نعتقِد أنهم كانوا في أعلى درجاتِ الزُّهد ، ومع ذلك كانو ينظرون إلى العمل نظرةً جادَّةً ويُعلِّموننا مثل هذا المعنى .. عن الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول : ( إني لأخرُجُفي حرِّ الظهيرة للحاجة قد كُفيتُها ولكن أُحِبُّ أن يرانِيَ اللهُ أتعبُ في طلبِ الحلال ) .وهو قد كان في عمر ٤٠ أو ٤٥ سنة مع أنه كان ممكن أن يُرسِل أحد غِلمانِهِ ، لكنه مع ذلك يخرُج بنفسِه في هذا السن وفي حرِّ الظهيرة ؛ حتى يراني الله أطلب الرزق الحلال ؛ حتى لا أكون عالةً على الغير ، وطلب الحلال من موجِباتِ محبَّةِ اللهِ عزِّ وجل ..
أين هذا الامام وذلك الشخص الذي يُقال له عملُك على بُعْدِ ٥٠ كيلومترٍ فيستثقل الذهاب ،، يقال له شغلُك يحتاج لجُهْدٍ عضلي فيتكاسل ويقول أنا أريدُ عملاً مكتبِيًّا .. فالمام هنا يُعلِّمُنا الجِدِّيَّة في طلبِ الرزق .. في حديثٍ آخر ، دخل عليه أحدُ مَواليهِ واسمُه مُصادِف فأعطاهُ ١٧٠٠ دينار وقال له : اتَّجِرْ لي في هذا المبلغ ـ عندنا تأكيد كبير في موضوع التجارة ، والاقتصاديون اليوم يؤكِّدونعليه باعتبارأن في التجارة كل عمل الانسان يعود إليه بخلاف المُوَظّف الذي يعودُ جزءٌ كبيرٌ من عملِهِ إلى مسؤولِه وصاحِبِ شرِكتِه ـ يقول الامام عليه السلام : ووالله ليس لي حاجةٌ في فوائدِه ولكن أُحِبُّ أن يرانيَ الله أتعرَّضُ لفوائدِهِ . يعني أحب أن يراني الله وانا ذاهب وراء تحصيل الرزق ...
ذهب الامام الصادق عليه السلام لأحد أصحابه واسمه مَعاد بن كُثَيِّر ، وقال له : مالي أراك أعْرَضْتَ عن تجارتك ؟ هل كبِرتَ أو زهِدْت ؟ فقال له كُثَيِّر : ما ضعُفتُ عنها ولا زهِدْتُ فيها . قال : فما لك ؟ قال : عندي مالٌ كثير ، وهو في يدي ، وليس لأحدٍ عليَّ شيء ، ولا أراني آكُلُهُ حتى أموت . فقال عليه السلام : يا معاذ لا تترُكها فإن تركها مذهبةٌ للعقل ... عقلك يذهب ، فِكرك ينقُص قُدرَتك على التخطيط تتراجع ، انتباهك ينكسر وهذا أمر طبيعي فالتاجر يفكر باستمرار ويخطط ويبكِّر في الذهاب ويتحرّك هن وهناك ، يُشغِل عقله وذهنه إذا ترك كل ذلك فترة من الزمان هذه الأمور كلها تتراجع أيضاً .. وهذا معنى
( مذهبةٌ للعقل ) .. قضية الجدية في العمل ، لاينبغي أن يركن الانسان للكسل والاستراحة ..لاحِظوا في القرآن يحث المسلمين على التعطيل يوم الجمعة من أجل الصلاة ، لكن انتبِهوا ماذا يقول : ( فإذا قُضِيَت الصَّلاَةُ فانتَشِرُوا في الأرض ـ ثم ماذا ؟ ـ وابْتَغُوا من فَضْلِ الله واذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً ) .. ونحن في مجتمعاتنا الجمعة والسبت عطلة وفي المناسبات والوفيات عطلة ووو.... القرآن يقول يوم الجمعة أنت تفتح المحل منذ الصباح ولكن إذا نودي للصلاة في ذلك الوقت اترك البيع بهذا المقدار وبعد الصلاة تعود للعمل .. عجيب !!! إذن يوم الجمعة ليس يوم عطلةٍ رسميةٍ يرتاح فيها الانسان !! هذه جِدِّيَّة الدين التي يُعلِّمُنا إياها هذه الحياة ، واعمل هذا من أجل الآخرة ، اكسب