تدبير المعيشة في النص الديني

تدبير المعيشة في النص الديني
00:00 --:--

تدبير المعيشة في النص الديني


تفريغ نصي الفاضلة أم أحمد
( بسم الله الرحمن الرحيم .. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) 
كما تمُرُّ على المجتمعات فتراتُ رفاهِيةٍ وخصبٍ كذلك أيضاً يمُرُّ بها فتراتُ قحْطٍ وكساد ، القرآن الكريم يُقدِّمُ لنا نموذَجاً في المعالجة قام بهِ نبيٌّ من أنبياءِ الله عزَّ وجل ربما لأجل الإشارةِ إلى أن الأنبياء كما يصْلِحونَ آخرةَ الناس كذلك يُصلحونَ دُنْياهم وكما يهدونهم إلى الجنةِ في الآخرة يقودونهم أيضاً إلى السعادةِ في الدنيا ،هذهِ التجرُبة من التجارب التي قدذمها القرآن الكريم أيضاً لِبيانِ أن حالةَ الكساد ، القحط ، التراجُعِ الاقتصادي من الممكن أن يحدُثَ في أخصَبِ الأماكن ، في أفضلِ الأماكن من ناحية إمكانات الثروة ..

قبل حوالي ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة أي سنة ألف وخمسمائة قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام حصلت في بلاد الشام شِحَّة في الأمطار وطبيعي تلك البلاد تعتمد على ماء المطر سواءً في قضية الزراعة أو في الرعي وتنمية الثروة الحيوانية ، لما قلَّ المطر وتوقَّف أصيبت فلسطين أو ما يُسمى في ذلك الزمان بأرضِ كنعان وجوارها الشام ولبنان هذه منطقة بلاد الشام الكبير ، أَصيبَتْ بقَحْطٍ شديد ،مصر أيضاً أُصيبَت لكن بِدرَجةٍ أخف نظراً لأن مصر بالإضافة إلى اعتمادها على الأمطار ، كانت تعتمِدُ على نهرِ النيل ، وإلى يومِنا هذا وفرة مائية ، ولكن مع ذلك أيضاً كان عندهم سنواتُ كساد ، شاءت إرادةُ اللهِ سبحانه وتعالى أن يكون معالجةُ هذا الكساد الاقتصادي والتراجع الموجود في تلك البلاد عبى يدِ نبيٍّ من أنبيائهِ  هو النبيُّ يوسُف ، وجُعِل مدخل ذلك قضية الرؤيا التي رآها الملك المصري في أنه رأى سبعَ بقراتٍ سِمانٍ يأكُلُهُنَّ سبْعٌ عِجاف ، وأيضاً سبعٌ سُنْبُلاتٍ خُضْر تلْتفُّ عليها سبعُ سنابلَ يابِسة ، قد يكون إيرادُ الحلُم هنا لا لأن الملك حُجَّةٌ من الحُجَج وإنما ؛ لِيكونَ مدخلاً لكي يأتي نبي الله يوسُف ، ويُقدِّمُ تفسيره له ، ثم يُولَّى بعد ذلك على إدارة هذا المُعْضِل الاقتصادي  ، ربما لو لم يكن هذا الحُلُم لم يكُن هناك طريق اعتيادي لكي يأتي نبي الله يوسُف ويقول : أنا لأحلُّ لكم المشكلة ، فجاء نبي الله يوسُف ، أولاً قال لهم يجب أن تزرعوا سبعَ سنينَ دأَباً ، بجِدِّية كافية ، وتعزِلون قِسماً بسيطاً منهُ للأكل ، والاقي تجعلونهُ في نفسِ السنابل ..

بعض الباحثين الزراعيين كما ذكروا في مقالاتهم ، قالوا : بِحسبِ التجرِبة تَبَيَّن أن البقاء للقمحَةِ في السُّنبُلة يحميها لفترة تتراوح بين سنة وأقصى مُدَّة ١٥ سنة ، بعد ال ١٥ سنة لا تحفظ السُنبُلة ، تتعفَّن تتسرَّب إليها الرطوبة ، تأتي إليها الدودة بعد ١٥ سنة ، وأما لو لم تكُن محفوظةفي سنابِلِها ، من الممكن في السنةِ الأولىأن تتعفَّن تجتذِبُ الرطوبة فتتعفَّن ، تجتذِبُ الدودة فتفسُد ،ولذلك خطّط يوسُف أن يُجعَلَ هذا ( فذَرُوهٌ في سُنْبُلِهِ إلاَّ قليلاً مِمَّا تأكُلُون ) ، بعد ذلك السنوات السبع التالية ستكون سنوات عِجاف صعبة ليس فيها ناتج ، فأنتم سوف تستهلِكون ما كُنتم قد خزَّنْتُموه ، ويكون أيضاً توزيعٌ دقيق ، وبعضُ الباحثين يُشير إلى أن نبي الله يوسُف أولاً قام بإحصاءِ الناتج العام للبلد ، يعني  ، كم من القمحِ والحِنطةِ تُنتِجُ أرضَ مِصر مع هذه الأوضاعِ الخاصَّةِ ؟ وكم عدد السُّكان ؟ وكم نسبة الزيادة السكانية خلال ١٥ سنة ؟ وحسبَ هذا الحِساب ، ثم وزَّعَ الحِصصَ للأكل بِحسبِ هذا ، ولذلك تم تجاوُزهذه السنوات العِجاف ، ووصلوا إلى الطرف الآخر من الأمن الاقتصادي ... وعلى أثَرِ هذا فوَّضَ الملكُ المِصري أمر البلدِ إلى نبي الله يوسف بعد هذه التجرُبة الناجِحة .. وهذا كان طريقاً لإحلالِ عقيدة التوحيد والإيمانِ بالله في ذلك البلد ، أي تجربة من التجارب  التي يُقدِّمُها القرآن الكريم ن والتي حدثت قبل حوالي ٣٥٠٠ سنة من افزمان .. بلد فيه مُقوِّمات الثروة ـ الشام ومِصر ـ ومع ذلك يحدث فيها حالة قحْط ، جدْب ، كساد اقتصادي ، قِلَّة زراعة ، تناقُص الثروة الحيوانية ،، تحتاج هذه إلى أن يتعامل المجتمع مع هذا الوضع الخاص بطريقةٍ يتجاوزون بها هذه الأزمة .. هذا في التاريخ القديم .. في التاريخ الحديث يتحدَّثون عما يُسمُّونهُ الكساد الكبير في أمريكا في سنة ١٩٢٩ م وامتدت فترة الكساد لمدة ١١ سنة  إلى عام ١٩٤٠ م .. أمريكا التي هي الاقتصاد الأعظم في فترة من الفترات ـ تلك العشر سنوات ـ مرَّت بفترة كسادً وانكِسارٍ لا مثيلَ له ، بحيث فقدت ٥٠ % من ناتجها ... تتصوَّر أن تاجراأ يفقِد نصف ثروتهِ مرةً واحدة ، كيف سيكون الوضع ؟ بالفعل يقولون الناتج القومي الأمريكي في ذلك الوقت كان ١٢٠ مليار دولار ، نزل إلى أقل من ٦٠ مليار دولار ونتج عن ذلك ، أن عدد العاطلين عن العمل ـ باعتبار أن أول المظاهر الطبيعية الناتجةعن الكساد الاقتصادي هو تسريح العُمَّال ـ الشركة إذا خسرت نصف رأ مالها أول ما تُفكِّر به هو تخفيف النفقات وهذا يعني التخلُّص من عدد من العمال ... ويتسلسل الأمر طبعياً بكون العامل في الشارع ، فهو إما يذهب للجريمة ؛ لِتحصيلِ رِزْقِه ، أو يتحوّل إلى مشكِلة إجتماعية يعيش حالةً من الفقر . ولذلك قالوا أن عدد غير فليل من هؤلاءِ العمال كانوا يعيشونَ في بُيوتٍ من الكرتون ، ويقتاتونَ على بقايا ما يُلقى في القمامة ، لا أموال ولا عمل والبلد في ركود وكساد .. لا يوجد مَن يستقبِل عامِلاً لكي يعمل ، قطاع البناء والانشاءات توقّف تماماً ووصل إلى درجةِ الصفر ..والأسهم نزلت للأرض .. الحاصل هذه يُسمُّونها فترة الكساد الكبير في أمريكا ، .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة