هذا غير أنه بخل، وغير أنه، لا أدري ماذا أسميه. أنت تأتي الآن وتبيع حياة زوجية من أجل ١٥٠٠ ريال فقط! بإشارة فاسدة من شخص يصور لك أن الأمر هو في مصلحتك، والأمر ليس كذلك.
الآن، أنت إذا طلقتها طلاقا بالثلاث، لا يمكنك أن ترجع إليها. فلو أن بعد ذلك عنَّ لك أن ترجع، كأن تكون قد اشتقت إليها، أو اشتاقت هي إليك، تتورط، (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، صعب على الإنسان هذا. وقد ورد النهي في مصادر الفريقين. يعني هم عندنا في الكافي هذي الرواية، وهم عند المدرسة الأخرى: أَنَّ رَسُولَ اللهِ مُحَمَّدًا (ص) لَعَنَ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ. الشخص الذي يطلق ثلاثا هذا محلَّلٌ له، والمحلِّلُ هو الذي يأتي ويتزوج المطلقة في هذه الفترة. وفي بعض الأحيان نفس هذا الذي يشير إلى المطلِّق: تعال وطلقها ثلاثا، يقول له فيما بعد: أنا أيضا حاضر أن أحللها لك، من جهة أموال، ومن أخرى لذة.
طبعا هذا اللعن محمول على ماذا؟ بعض فقهائنا حمله على صورة الاشتراط، أن يأتي يحللها له، بشرط أن يكون في يوم، أو يومين، أو ما شابه ذلك. وهذا فيه تفصيل فقهي، لا ندخل فيه الآن. الشاهد: أنه لعل نفسكَ تاقت إليها، أو لعل هي تاقت إليك، فأتت واعتذرت، وفكرت في أن تغير طريقتها وأسلوب تعاملها معك. فماذا تصنع الآن؟ إذا أنت طلقت الطلقة الواحدة، فكل ما ستخسر ١٥٠٠ ريال، هذا إن أعددتها خسارة. لأنه - نحن قلنا فيما سبق - أن من الخلق الإسلامي أن يمتع الزوج المطلِّق مطلقته، فيعطيها مبلغا من المال حين الطلاق، مثل: إكرامية، هدية، أو غير ذلك، وقد كان بعض أئمتنا (ع)، إذا طلق امرأة يصنع هذا. وقد وردت في القرآن الكريم قضية تمتيع المرأة المطلقة بشيء من المال. ذاك يقوله الإسلام لك: ليس عليك النفقة فحسب، بل تكرم عليها أيضا بمبلغ من المال إضافيا، هل تأتي الآن وتحاسب على نفقة: ٥٠٠ ريال أو ٤٠٠ ريال؟!
فالإنصاف يقتضي أن الإنسان يسعى كيلا يطلق ثلاثا. هي: ثلاثة أشهر، إن رجعتما في هذه الفترة، ممتاز. إن لم ترجعا، تفارقتما. حالات كثيرة، بعد مرور ستة شهور، أو سنة، هو يجد - ولو لحال أولاده، وهي تجد - ولو لحال أولادها، من المناسب أن يرجعا. إذا طلق ثلاثا ستعترضه المشكلة السابقة. وأما إذا كان قد طلقها طلاقا واحدا فتستطيع الرجوع إليه بعقد جديد، وما في هذا من مشكلة.
وهنا، أنصح حتى المرأة المطلقة، مع أنه طرف الرجوع هو من جهة الزوج. أي الرجعة من حقه. له حق أن يرجع أو لا يرجع. بمعنى: لو أن المرأة – من الناحية الفقهية – قالت للزوج: رجعت إليك، وهو لم يقبل بذلك. لا يكون ما قالته رجوعا. لا بد أن يرجعها الزوج بنفسه، إما قولا، كأن يقول لها: "أرجعتك إلى نكاحي"، أو "رددتك إلي"، أو ما شابه ذلك، أو فعلا، كالأفعال الجنسية التي لا تحدث إلا بين الزوجين. فلو ما قال شيئا ولكن ذهب إليها وقاربها. يكون أرجعها. حتى لو قال لاحقا: لم أقصد وما كنت أريد. ما دام مارس معها هذا الفعل الجنسي الذي لا يحصل بالحلال إلا بين الزوجين، فهذا يعد رجوعا.
أقول: مع أن قضية الرجوع من جهة الرجل، إلا أنه يفضل للمرأة المطلقة، ولو لحال أولادها ومستقبلها أن تحاول الرجوع، وأن تضغط بهذا الاتجاه، وأن تقدم بعض الأمور التي تستعيد بها حياتها الزوجية.
أيضا، يفترض من المرأة المطلقة أن تستأنف حياتها العادية. وقع الطلاق، ومرت ثلاثة شهور، ولم يرجع الزوج، وذهب في سبيله، وربما تزوج، هي أيضا لتذهب في سبيلها وتستأنف حياتها العادية كامرأة عادية. فإذا هي من أهل الوظيفة والعمل، لتستمر في عملها ووظيفتها، فكل ما هنالك أنها خاضت تجربة غير ناجحة. وإذ لم تكن كذلك، ينبغي أن تساعد أهلها على تقبلها في داخل المنزل، من خلال أخذ جانب من المسؤولية في منزل والديها، فلا تبقى فيه بمثابة الثقل، أو بما يوحي أنها في فندق، تأكل، وتشرب، وتخرج ساعة تشاء. بل جيد أن تأخذ جانبا من جوانب المسؤولية فيه. أو إذا في أسرتها أخوة صغار، تراعيهم، تلاحظهم. وإذا هم أهل مدرسة تحاول أن تساعدهم. وأن تكون لأمها عضدا ويمينا. لا سيما أن هذه الحالات تحدث مع تقدم الأمهات في السن. وهذا التقدم عندهن، يخلق الحاجة إلى معين. فسواء كانت في عمل أو وظيفة ينبغي أن تستمر في هذا الأمر بشكل طبيعي، وحياة عادية، أو كانت في منزل أهلها، فترجع إلى هذا المنزل، وتقوم بنفس الأدوار.