الحاجة الثانية: الحاجة التشريعية والقانونية:الإنسان كائنٌ اجتماعيّ يستطيع العيش مع غيره بشكل طبيعي، هذه طبيعة الإنسان هكذا، لمّا يعيش مع غيره يحدث هناك تنافس على المنافع، هذه أرض خصبة أنا أريدها وأنت تريدها، وهذا ماء وفير أنا أريده وأنت تريده، وهذه زوجة جميلة أنا أريدها وأنت تريدها وهذه ثروة أنا أريدها وأنت تريدها، ما هو الناظم الذي ينظم العلاقة بيننا ويشرّع القوانين التي تجعل هذا الإنسان يعيش حياته الاجتماعية بسلام ؟نحن نقدّم نظرية أنّ الدين هو الذي يصنع ذلك بالنحو الأعلى والأفضل، يقنّن القوانين يشرّع التشريعات يعطي الدساتير ويجعل الناس يمشون عليها. وهذا قد يثير سؤال: نحن نرى أنّ في بعض البلاد الغربية يقولون لك نحن ناس علمانيون، لا نعتمد على الدين في دساتيرنا ولا أنظمتنا ومع ذلك عندهم أنظمة
وقوانين راقية وحياتهم الاجتماعية حياة متقدمة، فإذًن لا حاجة إلى الدين . جواب ذلك: آخر ما وصل إليه الإنسان في الغرب وفي غيره هو نتاج عقلي، جرّب الإنسان الفوضى خلال فترات زمنية مختلفة، انتهى العقلاء في هذا المجتمع البشري إلى أنّ النظام هو الذي يصون المصالح فتركوا الفوضى لصالح النظام . جربوا التظالم فما بينهم، واحد يظلم الثاني رأوا أنّ ثمنه باهظًا فانتهوا إلى أن العدالة هي التي تصون الحقوق فقرّروا العدالة كقانون، وعلى هذا المعدل. حسناً، هذا الذي انتهى إليه المجتمع البشري بعد تجارب وبعد محاولات وبعد تضحيات وبعد مرور السنوات قالته الأديان السماوية من زمان ، قالت: "الله الله في نظم أمركم" ، قالت: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ" ، آخر ما وصل اليه عقلاء البشر هو أول
ما جاء به الأنبياء والأديان من دون تجارب من دون مذابح من دون خسائر. وإلى هذا يشير أحد الفيزيائيين العظماء الألمان اسمه ماكس ويبر متوفى سنة ١٩١٨م معروف في الفيزياء يقول هذا المعنى: "إنّ جميع المثل العالية الموجودة في الحضارة الغربية من نظام واتّحاد واقتصاد وسياسة وعلم واستقلال؛ كل هذه القيم العالية لها جذور في الديانة المسيحية". نحن نقول هذا والديانة المسيحية الموجودة في الغرب ليست هي الديانة الكاملة وإنما حرّفت نسبياً ومع ذلك أنتجت هذه القيم العالية، فكيف لو كان هؤلاء لديهم الديانة الأصلية وكيف لو كان لديهم الديانة الكاملة وهي ديانة الإسلام ؟ فإذا كان وجود هذه الأنظمة في البلاد المتقدمة لا يعني أنها بمعزل عن الدين، ما انتهوا إليه أخيرًا بعد محاولات وتجارب وتضحيات هو أول ما
بدأ به الأنبياء من دون هذه التجارب ومن دون هذه التضحيات. بفارق أن هذه الأنظمة تختلف عن الأنظمة الدينية بماذا؟ بأن هذه الأنظمة تضبط ظاهر الإنسان ولا تستطيع أن تؤثرعلى داخله، ولذلك بعضهم يقول أنت اسرق - في مثل هذه المجتمعات - ولكن لا تخلّف وراءك أثر. لا تطلب في الرشوة شيك لا تصبح بهيم – حسب تعبير ذاك – تطلب شيك وبعدها يذهبون ويتابعون رقم الشيك ويورطوك، اطلب نقد . في فلان موضوع اسرق ولكن لا تخلّف وراءك أثر اتلف الملفات.هذا النظام الوضعي لا يستطيع أن يفعل شيء، يستطيع أن يرى وثائق وحقائق أمامه يعاقبك فيها إذا فعلت شيء أكثر من هذا لا يستطيع ، لكن النظام الديني في التشريع والقانون يختلف حتى لو لم تترك أثراً فإن الأثر
مسجّل عند الله (عزَّ وجلَّ): "مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا" ، يذهب إلى داخل قلب الإنسان: "وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" . وهنا تأتي أهمية صوم شهر رمضان، ففي شهر رمضان أنت في بيتك لا أحد يعلم عنك تستطيع أن تقفل الغرفة ولكن يمنعك عن ارتكاب المفطر المحرّم خشية الله عز وجل وخوف الله (عزَّ وجلَّ) فإذا أنت متديّن حقيقي لن ترتكب هذا. نعم هناك قسم من الناس يستترون عن الناس ولكن هذا ليس هو المتدين الحقيقي. سامعين قصة الامام الصادق (عليه السلام) التي ذكرها لأحدهم أختصرها لكم: ((( دخل أحدهم على الامام الصادق وكان من أصحابه فالإمام الصادق بعد أن