الحاجة إلى الدين في عصر العلم
تفريغ نصي الفاضل محمد رضا الطريفي الجمريّ
تصحيح الأخت الفاضلة ليلى الشافعي بسم الله الرحمن الرحيم"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ"ترتبط قِصَّةُ الأنبياء وبعثتهم إلى البشر بموضوع الحاجة البشرية إلى الدِّين، هذه الحاجة الأكيدة في نفس الإنسان تتطلَّب أن تُغطَّى من خلال مبعوثين عن الله (عزَّ وجلَّ) يكونون الواسطة بين الخلق وبين ربهم ليقضوا هذه الحاجة في أبعادها المختلفة، ولذلك -كما ذكرنا في ليلة مَضَت- كان خَلْقُ
النَّبي والرَّسول في بداية هذه الدَّورة البشرية سابقًا على خَلْق البشر أنفسهم. فوجود الحجة ووجود الرسول، ووجود من يقوم بتغطية هذه الحاجة ينبغي أن يكون سابقًا على وجود هذا الإنسان. حديثنا هذه الليلة يتناول موضوعًا من المواضيع المهمة المتجدِّدة، وهو موضوع (حاجة الإنسان إلى الإيمان والدِّين) في كلِّ العصور وفي عصر العلم الذي نعيشه حاليًّا، وذلك لأنَّ هذا السؤال يتجدَّد مع كل تأثير غربي وافد ويطرح على من يذهب إلى هناك من مبتعثينا وطلاَّبنا وجاليات المسلمين، بل ويفد إلينا أيضًا ضمن ما يفد من الثقافة والنتاج الغربي.يجادل هؤلاء بأنَّه لا حاجة إلى الدِّين في هذا الزمان، لا حاجة إلى الإيمان في هذا الزمان؛ لأنَّ عصر الدِّين قد انتهى، والآن نحن نعيش في عصر العلم. تفسير الدين للأشياء، وكشفُهُ عن الحقائق،
كان ضمن فترة زمنية ماضية، أما الآن فالعلم تولّى هذا الدور.لأشرح لك هذه الفكرة قبل أن نفد في الحديث عمّا يطرحه المؤمنون والمتديّنون، سواء كان من المسيحيين أو المسلمين أو اليهود من أفكار، في بقاء الحاجة إلى الدين. صيغة الفكرة التي تنفي الحاجة إلى الإيمان، وإلى الدين، في هذا الزمان تقول هكذا...فكرة أن الإنسان مر بثلاثة عصور العصر الأول يسمونه: عصر الخرافة، والعصر الثاني: عصر الدين، والعصر الثالث: عصر العلم التجريبي.العصر الأول: عصر الخرافة :يقول الزَّاعمون بعدم الحاجة إلى الإيمان والدين : كان الإنسان في الأزمنة السَّحيقة يرى الأحداث حوله ولا يملك لها تفسيرًا، يرى البراكين والزلازل و العواصف و الأمواج و الخسوف و الكسوف و الظواهر الطبيعية، يرى الأشجار الضخمة، ويرى الحيوانات المفترسة والقوية فلا يملك تفسيرًا لهذه القوى
التي تدمّر ما أمامها، لا يدري لماذا الزلازل تحدث؟ و البركان لماذا يخرج؟ و الشمس لماذا تُكسَف؟ و الليل لماذا يأتي؟ و الفيضانات لماذا تحدث؟ فلا يعلم عن هذه الأشياء فتصوّر –هكذا يقولون- أنّ هناك أسرارًا غيبية في داخل هذه المخلوقات, و قوى روحية مجهولة ضخمة في داخل البركان، وأرواح ضخمة قوية في داخل الزلزال، ففي داخل هذه الأشياء هناك أسرار غير معروفة تغيب الشمس يطلع القمر ويأتي بالليل، والإنسان حسب كلامهم انتحل خرافات في تفسير هذه الأحداث والظواهر الطبيعية ، ولأنّها كانت أقوى منه وأكبر فخضع لها وعبد بعضها، وخاف منها ، وتوسّل إليها ، وقرّب القرابين لأجلها، كل هذا من أجل أن يرد سطوة هذه الأشياء الخارقة الأقوى منه ، معتمداً على أنّ هذه الأشياء في داخلها أسرار،
وأرواح ،و قوى كامنة، فحتى يتّقي شرها عَبَدَهَا واحترمها و قرّب إليها القرابين . هذه المرحلة الأولى، ويطلقون عليها أسماء مختلفة مثل: المرحلة الطوطمية، وغير ذلك. وهذه بحوث ولا نحتاج للذهاب وراء هذه الأسماء، فالمهم الفكرة بشكل مختصر تكون واضحة. هذا العصر القديم جدًا للإنسان.عصر الدين :يقول هؤلاء: بعد ذلك بدأ عصر الدين وتطوّر الإنسان في مداركه العقلية و جرّب الأشياء و تركزّت ملاحظاته، فبدل أن يقول كل شيء فيه روح مخيفة وقادرة؛ جمّعها كلها فافترض وجود قوة خارقة سمّاها مثلاً (الله)، سمّاها (المعبود)، وهذا موجود في مكانٍ عالٍ في السماء، فهو المسيطر على كل الأشياء، وهو المسيّر لكل هذه الأشياء، ومن هنا يقول هؤلاء نشأت فكرة الإيمان بالقوَّة القادرة الواحدة ، بدل أن كانوا يقدِّرون روح البركان والثعبان والفيضان