هناك من يتبنَّى قبول هذه الرواية من منطق أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن قضيَّتُهم مع الخلفاء قضيَّة انتقامٍ شخصيٍّ ولا مسألة فردية، وإنَّما المسألة مسألة الإسلام، حتَّى إذا كان هؤلاء لم يأتوا بالطَّريق الذي أمر به الله (عزَّ وجلَّ) إلاَّ أنَّ الائمَّة كانوا يقومون بكل شيء فيه إعزازٌ للإسلام، ليست قضية ضرورة، أي شيءٍ يساهم في خدمة الإسلام أو انتشاره أو علو برهانه، كان الأئمَّة (عليهم السلام) يصنعون هذا لأنهم هم الأحقّ به، هم أصحابه، هم قادته، ولذلك حرصهم عليه ينبغي أنْ يكون أكبر من حرص غيرهم، ولو أن غيرهم جاء وأخذ هذا المركب منهم، فإذن يقول هؤلاء لا مانع من حضور الحسن والحسين في هذه الجيوش ولو لأجل التَّعبئة الرُّوحية والنَّفسية للمقاتلين، هذا ينفع في نشر الإسلام وفي نصره، فإذن يلتزمون بأنَّه لا مانع من ذلك، أيهم الحق؟ الآن ليس هناك مجال لكي نتحدث به ونذكر الأدلَّة.
حياة الامام الشخصية وزوجاته :
الإمام الحسن (عليه السلام) استمر في هذا، في هذه الفترة أيضًا ضمن حياة الإمام الشخصية تزوَّج الإمام الحسن المجتبى (صلوات الله وسلامه عليه) وهنا يأتي الكلام المعاد في قضية زيجات الإمام الحسن، نحن نشير إليها إشارة سريعة فنقول:
إنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) تزوَّج عِدَّة زيجات، ولم يكن لا أكثر من النبي ولا أكثر من الإمام علي ولا أكثر من سائر الائمة، عدد من الائمة كانوا أكثر منه زواجًا ولا سيَّما والده أمير المؤمنين (عليه السلام)، نترك النبي الذي من مختصَّاته تسع نساء أو كذا، فالإمام علي كان عنده هذا الشيء.
في فترة متأخِّرة اجتمعتْ ثلاثُ فئاتٍ على تشويه سُمعة الإمام الحسن (عليه السلام).
الفئة الأولى: هم الكُتَّاب المتأثِّرون بالنَّهج الزُّبَيري، الزُّبَيرِيُّون دخلوا في معركةٍ مع العلويِّين بدءًا من حرب الجمل، وظلَّ هذا الصِّراع قائمًا بينهم، وأكثر شيء كان في الكوفة بعد شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) عندما حصل اصطدامٌ عسكريٌّ واضح جدًّا وعنيفٌ بين المختار وأصحابه ممن كانوا يحسبون على شيعة أهل البيت، وبين مصعب بن الزبير وشيعته، وبعضهم كانوا من بني أميَّة الذين اتَّحدوا مع الزبيريين ضد المختار والشيعة في الكوفة، هؤلاء الزُّبَيرِيُّون بدءًا من أيام حرب الجمل أصبح عندهم حالة عبَّر عنها الإمامُ أمير المؤمنين: "ما زال الزُّبَير مِنَّا أهلَ البيت حتَّى شَبَّ ابنُه الميشوم عبدالله"، عبدالله بن الزبير اختطّ نهجًا شديدَ العداء للهاشميين وللطالبيين، وهذا استمرَّ من النَّاحية العسكرية إلى زمان انتهاء ثورة عبد الله بن الزبير، أي: بعد المختار بعدة سنوات، انتصر الأمويُّون عليه وانتهت دَولة الزُّبَيريين، لكن كَخَطٍّ فكريٍّ وتاريخيٍّ وثقافيٍّ استمرَّ لأنَّ الزبيريين هُمْ مِنْ أَهَمِّ مؤرِّخي تلك الفترة الإسلامية، واستمرَّ هذا الخط فيهم، فأنت تلاحظ عندهم تحاملٌ شديد على العلويين، على الإمام علي عندهم تحامل، وعلى الإمام الحسن بشكل أكبر عندهم تحامل.
الفئة الثانية: الأمويُّون الذين هم في صراع مع العلويين ، معاوية والحسن صار عندهم المعركة والخلاف، وكلُّ واحدٍ يستخدم مختلف الأدوات التي بيده ليقضي على خصمه، واليوم أوضح من أي يوم آخر، ما الذي يستطيع الإعلام أن يصنعه؟ يبدل حالَ شخصٍ من بطل الأبطال إلى قاعٍ تُداس به الأحذيَة على أثر حملات إعلاميَّة وتشويه، هذا اليوم واضح، هذا الذي صَنَعَهُ الأمويون أيضًا ضمن خطوات كثيرة.
الفئة الثالثة: هم العباسيون، العباسيون على أثر -أوَّلاً- الصِّراع مع العلويين، صراع الشرعية، العباسيُّون يقولون: نحن أولى بالنبي، العلويون يقولون نحن أولى بالنبي، العباسيون يردون أنتم لم تغنموا الفرصة، فعليُّ بن أبي طالب جاء وحكم سبع سنوات كلها حروب إلى أن قتلوه ولم يستطع فعل شيء، وكذلك الحسن جاء ولم يستطع فعل شيء وانشغل بالنِّساء، هنا صار بنو العباس هم الذين يدَّعون القدرة على ترتيب الخلافة وهم أقارب النبي، فلا بُدَّ أن يركِّزوا على فشل علي بن أبي طالب، وعلى ما يزعمون من خلل الحياة الشخصيَّة بالنِّسبة للإمام الحسن، ركَّزُوا على ذلك لوقتٍ متأخِّر، فترى المتوكِّل العباسي فيما بعد سنة مئتين هجرية -مئتين وأربعين، أو مئتين وثلاثين هجرية- لذلك الوقت يلاحق الإمام علي بالسُّخرية والكلام وإلى غير ذلك، مع أنَّه استقرَّت لهم الأوضاع، لكنَّ هذا كان نهجهم، من جهة صراع الشرعيَّة ومن جهة أخرى الثُّوَّار الذين كانوا أيام العباسيين كانوا كلهم أبناء الحسن، أخذ أبناء الحسن وأحفاده لواءَ الثَّورة من الحُسَينيين، الحسينيون ذهبوا وراءَ غيرِ الثورة غالبًا، الإمامة راحت وراء التَّثقيف ووراء الإرشاد ووراء نشر الأحكام وغير ذلك، الحسنيون أخذوا لواء الثَّورة بدءًا من محمد بن عبدالله بن الحسن المعروف بالنَّفس الزَّكيَّة ونسله، وتحالفوا مع أبناء زيد أيضًا وأشعلوا الثَّورات ضد العباسيين، ومن الطبيعي لا بُدَّ أن يعارضهم العباسيين بالسَّيف والقلم في تشويه جدهم، فيقولون: أنتم جدكم الحسن كذا وكذا فيه.