سيرة الامام الحسن عليه السلام : المولد

سيرة الامام الحسن عليه السلام : المولد
00:00 --:--

قضيَّة النَّهضة والخروج بالسَّيف والسِّلاح ليست هي التي تعيِّنُ الإمامةَ كما ذهب إلى ذلك بعضُ الفِرَق، إذا مسك السَّيف معنى ذلك صار إمامًا، فالواقع هنا أنَّ السَّيف صار من يصنعُ الإمامةَ، والمفروض أنَّ رتبة الإمامة سابقةٌ ثُمَّ بعد ذلك يقرر أنْ يرفع السيف أو يرفع السِّلْم أو يبلِّغ أو إلى غير ذلك.

فهذه من الأحاديث العقائدية التي تشير إلى جهاتٍ في المستقبل، "إمامان قاما أو قعدا" لا يوجد فرق في هذه الحالة.

 

فأغدق عليه النَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله) من هذه الأحاديث، وأيضًا مارس العناية به، بحيث كان يأتي في المسجد فيراه من بعيد مقبل فينزل إليه من المنبر، تصوَّر الآن أنَّ خطيبًا فوق المنبر يرى طفلاً مقبلاً عليه ينزل إليه ويحتضنه ويأتي به إلى المنبر، هذه الحركة ملفتة للنَّظر ومُعَلِّمَة لمن حول الإنسان، وأيضًا تشبع حالة الحب لدى هذا الطفل، كم وكم صنع النبيُّ ذلك، يراه في الطريق فيَهرع إليه ويرفعه على كتفه، فيقول بعض أصحابه وقد رآه يصنع ذلك بالحسن والحسين: نعم الجمل جملكما، ويقصد به رسول الله لأنهما ارتحلاه، قال النبي (صلَّى الله عليه وآله): "ونعم الرَّاكبان هما، وأبوهما خيرٌ منهما"، هذا موضوع وليس في الجانب التربوي واجتماعي فحسب، وإنما الجانب العقائدي أيضًا: "نعم الراكبان هما وأبوهما خير منهما"، يجب على الذي يسمع هذا الكلام أن يلتفت إلى إشارة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

 

هكذا استمر النبي مع الإمام الحسن (عليه السلام) رعايةً، عنايةً، تربيةً، عقائديًّا، إلى أن توفي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، رأى الإمام الحسن (عليه السلام) ما حدث بعد وفاة رسول الله في سنٍّ مبكرة، بحدود سبع سنوات، ويفترض أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) رأى هجوم القوم على دار أمير المؤمنين، ورأى كيف أنَّ أخاه قد تم إجهاضه وإسقاطه، ورأى كلَّ هذا الحدث وبالتالي: طفل في ذلك العمر يفتح عينه على هذا المقدار العظيم من الآلام لا رَيْبَ أنَّ أثرها في قلبه سيكونُ أثرًا كبيرًا، ثم يلاحظ في نفس الوقت أيضًا موقف والده أمير المؤمنين، ومع ذلك يسمع منه: "فوالله لأسالمن ماسلمت أمور المسلمين، ولم يكن الجور فيها إلا عليّ خاصةً كل ذلك التماسًا لأجر الله وثوابه"، فبالتالي أيّ شخصٍ يسمع هذا الكلام يعظم شخصيَّة القائل ويتَّضح عنده أنَّ الإسلام والشريعة عظيمة في نفس هذا الرجل!، ويستقبل هذا الدرس استقبالاً مباشرًا وواضحًا وعمليًّا، وهذا الذي صنعه الإمام الحسن أيضًا.

عاش في هذه الفترة بعد وفاة رسول الله، والمؤرِّخون ينقلون أنَّ الحسن -والبعض ينقلها عن الحسين-، أنه أول مرة لمَّا دخل مسجد النبي بعد وفاة رسول الله ورأى الخليفة على المنبر فجاء يعدو إليه ووقف قريبًا من المنبر وقال : "انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك"، هذا المنبر إلى أبي وهذا مقصوده أمير المؤمنين (عليه السلام)، الخليفة قال له: نعم هذا منبر أبيك، ويقصد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) هو منبر أبيك لا ننازعك في ذلك، وقيل: إنَّ بعض الأصحاب أيضًا فيما بعد حاول أن يسأل هل أنَّ هذا الولد ابن عليٍّ هل أنه جاء مُوَجَّهًا من قبل علي بن طالب، أي: أنَّ شخصًا حرَّكه وقال له اذهب وقل هذا الكلام، أم لا هو على السليقة والسجيَّة.

فعاش هذه الفترة كما عاشها أبوه، المنطق العام لديه لأُسالمن ما سَلِمَت أمورُ المسلمين. هناك رواية ينقلها التَّاريخ الرَّسمي وردت فيه: أنَّ الحسن والحسين شاركا سائر المسلمين في بعض الفتوحات أيام الخليفة الثَّاني، وقد ناقش هذه الرِّواية عدد من الأعلام بين موافق ومخالف، المخالف لهذه الرواية يقول: إنَّ مساهمة الأئمَّة (عليهم السلام) عليٍّ والحسنِ والحسينِ مع الخلافة كانت تحكمها الضَّرورة، لكي لا يسبغ شرعيَّةً على ما حدث، مع أنَّهم لا يرون شرعيَّته، فلا يساهمون فيه إلا بمقدار الضَّرورة إذا توقف على ذلك إقامة حد من الحدود يتدخل الإمام علي، إذا توقَّف على ذلك انتصار الإسلام في مكانٍ بمشورة الإمام أو غير ذلك، أو دفع بعض أصحابه للمشاركة يساهم من منطق الضَّرورة في ذلك لأجل حفظ الإسلام، إما ككيان أو كشريعة وحدود، ويقول هؤلاء أنَّه قضية ذهاب الحسن إلى المعركة أو الحسين ليس أمرًا ضروريًّا، لا يحكمه قانون الضَّرورة فالآخرين باستطاعتهم أن يأخذوا مكانهم، فإذًا يخالفون هذه الرِّواية مِنْ هذه الجهة، ومن جهة أخرى يقولون: لو كان لبان، فلا نجد في الرِّوايات المرويَّة عن أهل البيت (عليهم السلام) أثرًا لمثل هذه الرِّواية.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة