الرَّجل جاء وقال - وهو مُكْثِرٌ في التأليف - قال الصوم شُرِّعَ على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: كان الإنسان مُخَيَّرًا فيها بين أن يدفع فدية طعام مسكين وبين أن يصوم، ودليلُ ذلك هذه الآية المباركة "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ".المرحلة الثانية يقول: كانَ في اللَّيل إذا الإنسان أفطرَ يستطيع يُفطر ويتمتّع إذا لم ينَم, ولكن إذا نام فاتت عليه فرصة الإفطار, ولا يستطيع حتى لو استيقظَ فيما بعد. وينقلون هنا قصتان، قصة عن خوّات ابن جُبَير: أنّه أتى وكان صائمًا، وكان في وقت الخندق، فمن التعب نام وعندما استيقظ لا يستطيع الأكل بناءً على هذه الفكرة, لا يستطيع الأكل إلى اليوم اللاَّحِق، وفي اليوم الثاني ذهب إلى الخندق وقام بالحفر فوقع مغشيًّا عليه من التعب, فقالوا لرسول الله (صلَّى
الله عليه وآله) فتغيَّرَ الحكمُ. وقصة أخرى ينقلها القُرطبيّ في تفسيره، يقول: أنّ عمر بن الخطّاب خرج من منزله في الليل في شهر رمضان، فلمَّا رجع رأى أن زوجته نامت، فإذا نامت فلا تستطيع أن تقارب زوجها, فأتاها يريد منها المقاربة، فقالت له: لقد نمت، قال نمت أو لم تنمي لا تعللي، ولا نعرف هذا الكلام, فقارب زوجته، وبعدها قال لرسول الله أنَّ القضية كيت وكيت، فجاءت آية: "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ..." . نحن نعتقد أنّ كلا الأمرين فيه مناقشة:أمَّا في الرأي الأول في أنَّ الآية منسوخة فعن أهل البيت (عليهم السَّلام) أنها من الآيات المحكَمَات ولم تُنسخ، وأساسًا هي غيرُ مرتبطة بهذا الحديث الذي تتحدثون فيه, وإنما هي تتحدث عن فئة ثالثة، والآيات التي قرأناها والتي
بعدها تُعيّن أصناف الناس بالنسبة إلى تكليفهم حسب الحكم الشرعي؛ إما أن يكون الإنسان حاضرًا، أو مسافرًا، مريضًا أو سليمًا. فإذا كان حاضرًا وسليمًا "فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" ، وإذا كان مسافرًا أو مريضًا "فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ", وهناك قسم ثالث؛ لا هو هذا ولا ذاك ولا الثالثة؛ وعندنا قسم رابع وهو أن إنسانًا - مثلاً - عمره ٨٠ سنة غير مريض يمارس حياته العادية بشكل طبيعي، ولكن أن يصوم ١٨ ساعة فهذا صعب عليه، يبلغ جهده وطاقته أقصاها لا يستطيع أن يفعل هذا, هذا له حكم شرعي أم لا؟ هو غير مسافر حتى تقول (عدة من أيام اخر)، ولا هو مريض فهو يمارس حياته بشكل طبيعي، ولا هو أيضًا شاب وعنده قدرة على الصيام فهذا ما هو حكمه؟
قالت الآية "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ".المريض ينتظر بعد شهر أو شهرين عدة من أيام أخر، أمَّا هذا فعمره ٨٠ سنة، والسنة القادمة يصبح ٨١ وضعه يكون أصعب لا يمكن أن يقضي, فإذا عليه فديةٌ طعام مسكين.الآن (يطيقونه) إمَّا بمعنى أنه يبلغ أقصى طاقتهم وجهدهم، أو على حذف "لا" ويكون التقدير: وعلى الذين لا يُطيقونه، وفي القرآن الكريم موجود هذا الأسلوب، مثل: "تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ" ، يعني: تالله تفتأ لا تذكر يوسف، يعني إلى لآن لا تزال تفعل هذا الفعل. فإذن هذه الآية المباركة أصلاً بعيدة عن هذا الموضوع ولا ترتبط بهذا الموضوع, ترتبط بمن لا يستطيع الصيام لا لجهة مرض وإنما لجهة كِبَرٍ وشيخوخة.هذا أمر, والأمر الآخر أننا نجد في قضية "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَائِكُمْ..." أنها كانت على نفس السياق التي جاءت فيه الآيات المباركة الأخرى، ولذلك لا نعتقد بأن ما ذكر من تشريع قضية الصوم بشكل تدريجي وعلى مراحل؛ لا نعتقد أنها دقيقة, نعم ربما تكون هناك حالات خاصة لأفراد معيّنين, تصوّروا أو توهَّموا هذا الشيء وجاء الحكم موضِّحًا إليهم. هذا بالنسبة الى أطراف الآية المباركة وتاريخ تشريع الصيام.والغرض من هذا التشريع كما يقول القرآن الكريم "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، والتقوى التي تمنع الإنسان عن المعاصي وتجعله مسيطرًا على نفسه هذه يتدرَّب الإنسان عليها سنة بعد سنة، وقد أوضح ذلك سيد الأنبياء محمد (صلَّى الله عليه وآله) في خطبته الشَّعبانية عندما بيّن بعض حِكَمِ هذا الواجب الإلهي، فقال: "واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه وارحموا صغاركم ووقروا كباركم وتحننوا على أيتام الناس يُتحنّن