التوراة تعريفها وتحريفها

التوراة تعريفها وتحريفها
00:00 --:--

هذا الكتاب كما ذكرنا في أصله عندما أنزله الله على نبيِّه موسى كتابٌ مقدَّس محترم يكشف عن الواقع، وهو برنامج للناس إلى أن يأتي الكتابُ الآخر والرِّسالة الأخرى فيجب العمل به في تلك الفترة، ولكنَّ الذي حدث كما ذكرنا حصل له تحريفٌ متعدِّد، وقد أشار إلى ذلك علماؤنا وبعض الباحثين في مدرسة الخلفاء، وأنا أشير إلى بعض الكتب في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أهمًّها ما كتبه المرحوم الإمام الشيخ محمد جواد البلاغي أستاذ المرحوم الإمام الخوئي، وكان فحلاً في الأصول والعقائد والفقه، فعنده كتاب (تفسير القرآن)، وعنده كتاب في الرد على المسيحين واليهود، ودرس اللغة العِبريَّة القديمة، وله إلمامٌ باللًّغة اللاتينية وغيرها، وتخصَّصَ في التَّوراة والإنجيل ، وعنده كتاب الرِّحلة المَدْرَسِيَّة، وكتبٌ أخرى في هذا الجانب، ومن المعاصرين أيضًا أحدُ علماء الحوزة العلمية وهو السيد سامي البدري، وقد تعمَّقَ في هذه الكتب واكتشف جملةً من الأشياء التي ينبغي تصحيحُها من النَّاحية القرآنية ومن الناحية الرِّوائية، ونحن عندما نقول (تحريف) لا يعني أن نجمع كلَّ هذه الكتب ونرميَها في سلَّةِ المهملات، وإنما ما كان لا يخالف القرآن الكريم ولا الأصولَ الإسلامية يمكن أن يقول الإنسان أنَّ هذا من التوراة الأصليَّة.

أقسام التحريف:

والتحريف على أقسام؛ يمكن أن يكون تحريفًا معنويًّا وهو تحريف الكلمة عن معناها، مثلاً إذا قال الله (سبحانه وتعالى): "... أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ..."[٦]، أنا الذي أريد أن أُحَرِّفَ الكَلِمَ عن مواضعه أقول: نعم يجب إطاعة أولي الأمر، ومعنى ذلك لابد من إطاعة يزيد بن معاوية وإطاعة الحجاج الثقفي وإطاعة بعض الطواغيت!، هنا أنا لم أغير في الكلمة شيئًا وإنما غيَّرتُ في معناها، هناك أولي الأمر الذين فرض الله طاعتهم هؤلاء فئة محدودة، (وليس كل من تزوج أمي صار عمي) حسب التعبير!، وليس كل واحد صار على كرسي الحكم صار من أولي الأمر وتجب إطاعته مهما كان، فهذا تحريف معنويٌّ حصل في الإسلام وعند المسيحيين واليهود وإلى اليوم أيضًا موجود في الإسلام، فآياتٌ في القرآن في زمنٍ كانت تُفَسَّرُ بشكلٍ ما، ولكن في زمن آخر لمصلحةِ ذوي السُّلطان أو المال أو غير ذلك تفسر على غير تفسيرها، وهذا تحريفٌ عن مواضعه.

وهناك تحريفٌ لفظيٌّ بالزِّيادة والنَّقيصة، إما زيادة شيء أو نقيصة شيء، وقد أشار القرآن الكريم في بعض آياته إلى إخفاء بعض الآيات بعض الكلمات وإلغائها عن الناس، لا سِيَّما في فترة اليهود والنصارى لم يكن عامَّتُهُم مُطَّلعين على الكتب السماويَّة، أساسًالم تكن مكتوبة باللغة العامَّة، ومن نِعَمِ الله (سبحانه وتعالى) على أمتنا الإسلامية أنْ يَسَّرَ القرآن للذكر: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ"[٧]، وندب الناس لقرائته فهل من مدكر وانفتح المسلمون مباشرة على القرآن ولذلك لا يمكن يحصل عنده هذه التحريف فهذا الذي صار في التوراة ، يقول الله في القرآن الكريم "أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون" وهو تحريف متعمد ، وفي آية أخرى يقول "قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا"[٨]، وفي آية ثالثةٍ ورابعةٍ يذكر هذا التحريف سواء بالزيادة أو بالنقيصة، وأحيانًا كما أشار إلى ذلك العلامة الإمامُ البلاغيُّ (رضوان الله عليه) في أثناء نقاشه مع أحد القساوسة، قال له: النبيُّ المصطفى محمد (صلَّى الله عليه وآله) مذكورٌ بالإشارة والتَّصريح في الإنجيل، فقال له: غير صحيح، قال العلامةُ البلاغيُّ: اقرأ معي - ويأتي إليه بالنَّصِّ الموجود - ويصل لكلمةٍ مُعَيَّنَةٍ ويقول له: هذه الكلمة حُذِفَ منها بعضُ النِّقاط وصارت إلى غير وجهتها وكانت تعطي اسم النبي (صلَّى الله عليه وآله)، والشَّاهد أنه أحيانًا حتى نقطة واحدة تغيِّرُ المعنى كُلِّيًّا.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة