مراحل تحريف التوراة :
هذا ما فعله اليهود على مراحل متعدِّدة، فبدأت المرحلة الأولى بعد زمان يوشع بن نون، وعندما توفي وُجِدَ هناك خَطٌّ منحرفٌ في بني إسرائيل غَيَّرَ وَبَدَّلَ وَأَضَافَ وَأَنْقَصَ في التَّوراة.
المرحلة الثالثة صارت ما بعد زمان النبي سليمان (على نبيِّنا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام)، يعني بحدود سنة ٦٠٠ قبل الميلاد تقريبًا، فجاء بعد النبيِّ سليمان وصيُّه آصف بن برخيا، الذي عنده علمٌ من الكتاب، والذي جاء بعرش بلقيس من مكانه من سبأ، والنبي سليمان بنى دولة وإمبراطورية ضخمةً، وبنى هيكلاً ضخما بحسب ما يرد في أوصافه، والهيكل عند اليهود رمزٌ كبير، مثل ما عندنا الكعبة في منزلتها وقُدْسِيَّتِها، فالهيكل هكذا في منزلته عند اليهود، فبنى الهيكل ولذلك إلى اليوم يتحدثون عن هيكل النبي سليمان لما له من المنزلة عندهم، فَحَكَمَ بعده آصفُ بنُ برخيا وجرت عليه سُنَّةُ الموت كما على غيره، وبعدما توفي أيضًا تعرَّضَتِ التَّوراةُ والكتبُ إلى تحريفاتٍ من قبل كهنة اليهود والأحبار، وساعد على ذلك قضية السبي البابلي بحدود سنة ٤٠٠ قبل الميلاد، إن بختنصَّر هذا اقتحم المملكة اليهودية ودَمَّرها تدميرًا هائلاً، والهيكل أزاله، وحرق ودمَّر، وأسر عشرات الآلاف من اليهود وأخذهم معه إلى بابل، وكثيرٌ من هؤلاء كانوا من العلماء والأحبار من حملة الكتب، وصادر كل ما كان عندهم من تراث ثقافي، وأعيدت كتابة هذه المصادر والكتب في فترة السبي البابلي في بابل، وكثيرٌ من المصادر تلفت وكثير من الأشخاص ذهبوا فحصل في هذي الكتب تحريفٌ وخلط كبير جِدًّا، وتَطَرَّقَ التَّحريفُ المتعمد وغير المتعمد في هذه الفترة بشكل أكبر، وهذه هي المرحلة الثالثة.
المرحلة الرابعة كانت بعد زمن عُزَيْر، أو عزرا، فجاء إلى الناس ونصحهم وحاول أن يُقَوِّمَ أخلاقَهم بعد الوفاة الأولى له، حيث توفَّاه الله ١٠٠ عام، والوفاة الثانية له أيضًا تعرَّضت هذه التوراة والكتب إلى تحريفات كثيرة، وآخر تلك الفترات كانت قبيل زمان نبينا محمد (صلَّى الله عليه وآله)، كان في هذه الفترة اليهود "... يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ..."[٩]، يعني يقولون لهم: نحن حسب ما عندنا من الكتب سوف يأتي نبي وهذا النبي مثل نبينا موسى بن عمران وسيصبح معنا ونصبح معه ونزيل عبادة الأصنام وكانوا باستمرار يتحدَّثون في هذا الأمر، فلمَّا جاء النبي محمد (صلَّى الله عليه وآله) ولسان حاله يقول: "... إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ"[١٠]، أي ليس أنا أأتي إليكم بل أنتم من تأتون لي وإنَّ التوراة والإنجيل انتهى زمانها، وعليكم أن تتبعوني "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ..."[١١].
في البداية حاولوا أن يتفاهموا مع النبي (صلَّى الله عليه وآله) بنحوٍ ما، وإنَّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) كان حازمًا في موقفه لأن هذا هو الحكم الإلهي، آنئذٍ أظهروا له العداء، ومن مظاهر العداء أنهم أنكروا وجوده في الكتاب، وقالوا ليس هذا اسمه وليست هذه صفاته الموجودة في التوراة، وتنطبق على غيره، لذلك يقول القرآن الكريم في الآية المباركة مشيرًا إلى اليهود: "... فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ"[١٢].
هذه أربع مراحل مَرَّت بها التوراة في تحريفها، والشيء الموجود عندنا الآن خليطٌ بين ما له أصل دينيٌّ، وبين ما ليس له أصلٌ ديني، بعضه يمكن قياسه على القرآن الكريم، فإذا طابق شيء منه القرآن الكريم نعتقد أنه كان موجودًا في التَّوراة الأصلية، وشيء لا يتطابق مع القرآن سواء في القصص أو الأحكام أو العقائد لا نعتبره من التوراة الأصلية؛ لأنَّ هذه الأحكام مشتركة بين الديانات، فإذا اختلفت بان أنَّ هذا حُرِّفَ.