ولكن الإمام الحسين (ع) اختصر كل ذلك بهذه الكلمة (وعلى الإسلام السلام إذا بُليت الأمة براعٍ مثل يزيد)
وهذا الكلام أمام جيش الحر ابن زياد الرياحي ، الذي هو نوع من أنواع الإعلام عن هذه النهضة ، وهو الكلام مع جيش الخصم . (ألا وان بني أمية – ماذا صنعوا ؟ - قد لزموا طاعة الشيطان) اي ليس مجرد طاعة ، بل التزام بطاعة الشيطان ، وبالمقابل ( وتركوا طاعة الرحمن ... وأظهروا الفساد ...) الفساد كان موجودًا منذ أيام معاوية ، بل وقبل أيام معاوية كان موجودًا في الخلفاء وفي الطبقة الحاكمة ، ولكن لم يكن سمة ظاهرة ، أمّا أن يأتي خليفة المسلمين ويجعل الفساد هو المظهر الأساس في الدولة ويتجاهَر بالعصيان ، فهذا لم يكن معهودًا ... وهذا ماصار معهودًا أيام يزيد بل أيام معاوية ...
يروى أنّ أبا الدرداء كان يذهب إلى معاوية ويجالسه ، إلى أن جاء يوم وانفصل عنه ، لماذا ؟ لأنه ذات يوم أتى إلى معاوية ورآه لابسًا حريرًا ، فقال له : يامعاوية ، ماهذا حرير ؟ فقال معاوية : نعم! فقال أبو الدرداء : وكيف تلبس الحرير ؟! وقد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ( الحرير محرم على ذكور أمتي ) فالتفت إليه معاوية وقال له : أنتَ سَمِعْتَ ذلك ؟ فقال ابو الدرداء : بلى .. فقال معاوية : أما أنا فلا أرى به بأسًا !
معنى كلامه : الرسول عنده اجتهاد وأنا لديَّ اجتهاد ثانٍ !
كذلك كانت الخمور تُحمل إليه على ظهور الإبل ، وجاء أحد أصحاب رسول الله ولمّا شمّى رائحة الخمر ، فقال : أهذا خمر ؟! فقالوا له : نعم ، فقال الصحابي : إلى من تُحمل ؟ فقالوا : إلى قصر معاوية خليفة المسلمين . فأخذ يخرم تلك الأواني التي تحتوي على الخمر ...
نعم ، هكذا أصبح حمل الخمر إلى بيت الخليفة أمرًا عاديًا و أمام مرأى الناس .
يعني القضية ليست وجود الفساد وإنما إظهار الفساد .
كما قال الإمام الحسين (ع) : (وأظهروا الفساد واستأثروا بالفيء)
أي أن الخليفة صار يعطي من مال المسلمين ما يشاء وكيفما يشاء ، حتى أن أحدهم طلب من معاوية (١٥,٠٠٠) ماتسمى بالمربوعة ، سقف كندل ، وهذا كان لا يزرع في بلاد المسلمين ، وانما يزرع في أماكن بعيدة ، ويؤتى بها للبناء ، وهي نوع من الصاج أو ماشابه ذلك
هذا الشخص طلب من الخليفة هذا العدد الهائل ، والبيت يحتاج إلى (٤٠-٥٠) منها ، فقال له : لأجل ماذا ؟ فقال : لأجل أن أُحَدِّثَ بيتي ، فقال له : بيتك في البصرة أم البصرة كلها في بيتك ؟
يعني أن النفقات كانت تُصرف بهذا الكم الهائل بلا حساب وبلا كتاب .
إذن ، كان الخمر وماشابه ذلك شائعًا ، وكذلك التظاهر بالفواحش ، لذلك كان الإمام الحسين يخشى على الإسلام ، وقال كلمته : (وأظهروا الفساد ، واستأثروا بالفيء ، وحللوا حرامه وحرّموا حلاله وأنا أحق من غيري)
مع هذا الوضع السيء القائم في الأمة لا يوجد أحد أحق مني ... أنا الإمام العالم وارث رسول الله ، أنا أحق من غيري بأن أُغيَّر .
وهذا هو أول سبب تحدث عنه الإمام كثيرًا .. وقال : (ألا ترون أن الحق لايُعْمل به ، وأنَّ الباطل لا يُتناهى عنه ...) (٢) وإلى غير ذلك من أقواله في هذا الشأن .
-الأمر الثاني : المسؤولية الدينية التي يتحملها العَالِم وعلى وجه الخصوص الإمام ، فإن الله أخذَ على العلماء عهدًا .. كما قال أمير المؤمنين في نهج البلاغة : ( ألا يقارّوا على قضة ظالم ولا على سغب مظلوم ) . (٣)
أي أن لا يؤيدوا الظالم ، الظالم لعباده ، ولا يتخلون عن الفقير الساغب وقد أخذ الله على الأنبياء ميثاقًا : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (٤)
فإذا كان الحسين في طليعة العلماء وفي طليعة الأوصياء وهو وارث الأنبياء ، وهو يرى مثل هذه المخالفات ، ويرى كل هذه التجاوزات على الدين والشرع والناس ....