الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). فعندما ترفع هذا الإنسان، بالإيمان، آنئذ تعرف منزلته وقربه من الله، فتقوم باحترامه، توسع له في المجلس. وعندما تعرف أن هذا عالم، وتعرف أن هذا ممن أوتوا العلم، تفسح له، وتعطيه مكانا، وتعطيه مكانة لائقة بالإيمان والعلم الذي يحمله. أما لو لم تعرف هذا الإنسان، لم تعرف أنه عالم، لم تعرف أنه مؤمن في الدرجة العالية، فإنك تتعامل معه عادة بنحو عادي. لذلك حرص النبي (ص) أن يبين منزلة الحسين (ع)، وفي أكثر من حديث؛ حتى يتعامل معه الناس على هذا الأساس. فالحسين عندما تعرف أنه زين السموات والأرض، وليس شخصا عاديا هذا الرجل، ولا أن فخره وشأنه في هذه الدنيا، ولا أنه في محيط المدينة، وإنما على مستوى زينة للسموات والأرض جميعا.
في حديث آخر، يتحدث الرسول (ص) عن أنه: "خَيْرُ النَّاسِ"، في الرواية: عن سلمان المحمدي، رضوان الله تعالى عليه، قال: كنا في المسجد، فلما فرغ النبي من صلاة العصر، وكان في الركعة الرابعة، جاء الحسن والحسين، ودخلا إلى المسجد، فلما فرغ النبي من صلاته، أخذ الحسن على فخذه الأيمن والحسين على فخذه الأيسر، ثم التفت إلى الناس: وقال: "أَيُّهَا النَّاس، أَلَا أُخْبِرُكُم خَيْرَ النَّاسِ أَبًا وَأُمًّا وَجَدًّا وَجَدَّةً وَعَمًّا وَعَمَّةً وَخَالًا وَخَالَةً"، فتصور الحاضرون أنه سيشير إلى نفسه؛ لأن النبي هو خير الناس، أفضل الناس، لكنه ليس خير الناس أبا، أي والده ليس خير الناس، ولا جدا، ولا عما، ولا عمة، ولا خالا، ولا خالة. فالنبي هو أفضل المخلوقات لا ريب. لكن والده ليس أفضل المخلوقات. وخاله ليس أفضل المخلوقات،
وعمه ليس أفضل المخلوقات. فالتفت إليهم وقال: "الحَسَنُ وَالحُسَين" الذين يجمعان أن أباهما خير الناس، وأمهما خير الناس، وجدهما خير الناس، وجدتهما خير الناس، الوحيدان في الكون، هما: الحسن والحسين، حيث تنطبق عليهما هذه المواصفات. فحتى النبي وهو أفضل منهما لا تنطبق عليه هذه الصفات. والإمام علي، وهو أبوهما، لا تنطبق عليه هذه الصفات، وفاطمة الزهراء، وهي أمهما لا تنطبق عليها هذه الصفات. هذه الصفات تنطبق بشكل وحيد على الحسن والحسين. قال: "الحَسَنُ وَالحُسَينُ، أَبُوهُمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب"، هذا خير الناس، "أُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ"، اللهم صل على محمد وآل محمد، "جَدُّهُمَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَجَدَّتُهُمَا خَدِيجَة بِنْتُ خُوَيْلِد، وَعَمَّهُمَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِب، وَعَمَّتُهُمَا أُمُّ هَانِي بِنْتُ أَبِي طَالِب، وَخَالَهُمَا القَاسِمُ بْنُ رَسُولِ اللهِ، وَخَالَتُهُمَا زَيْنَبُ بِنْتِ رَسُولِ
اللهِ". وهذه الصفات لا تجتمع في أحد غير زين السموات والأرض، وهو الحسين صلوات وسلامه عليه وأخوه الحسن المجتبى. فقسم من الأحاديث والروايات، أطلقها رسول الله (ص) في مختلف المناسبات؛ لكي يبين شأن الحسن والحسين، "الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّة"، "الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سِبْطَانِ مِنَ الأَسْبَاط"، هذه الأحاديث تكرس فضل الحسين (ع)، والغاية منها غاية أخلاقية وسلوكية، بحيث ينظر الناس إلى الحسين على حقيقته، وبعد ذلك يتعاملون معه بإكبار، واحترام، وتواضع من جهتهم، ويوقرونه أعظم التوقير. هذا قسم من الأحاديث، وهي كثيرة جدا. لا نستطيع التعرض إليها هذه الليلة.القسم الثاني من الأحاديث، ما يرتبط بدور الإمام الحسين (ع) في حياة المسلمين الذين عاصروه. فالحسين له دور. إمام من الأئمة، وفي وقته، هو الإمام الوحيد، وعلى الناس أن تتعامل معه معاملتهم
مع كل إمام، وهي: الطاعة، والاتباع، والاقتداء. الشيخ الصدوق – أعلى الله مقامه – ينقل في: كمال الدين وتمام النعمة، أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث: أن النبي (ص) كان جالسا فجاء الحسين (ع)، فقال له وأشار إليه: "أَنْتَ سَيِّدٌ وَابْنُ سَيِّدٍ، وَأَنْتَ إِمَامٌ وَابْنُ إِمَامٍ، وَأَخُو إِمَامٍ وَأَبُو الْأَئِمَّةِ التِّسْعَةِ، تَاسِعُهُم قَائِمُهُم". عجل الله تعالى فرجه الشريف. وفي هذا الحديث الآخر، ينقل عن السماء: قال: "إنه لمكتوب على يمين العرش"، في هذا النقل، وفي نقل آخر: "على ساق العرش". وأنتم تعلمون أنه لا يوجد عرش لله بالمعنى المادي الذي يُتكلم عنه، أي لا يوجد هناك كرسي، عرش، حتى يجلس الله عليه؛ لأن ذلك ينتهي إلى التجسيم، وأن شيئا ما يحتوي ربنا، وسبحان الله عما يصفون. فالله لا يحتويه شيء، بل