آفاق المعرفة في خطبة العقيلة زينب عليها السلام

آفاق المعرفة في خطبة العقيلة زينب عليها السلام
00:00 --:--

المعروفة عنه عندها قامت السيدة زينب عليها السلام وخطبت، فالملاحظ هُنا انها لم تكن تعرف ما سيحدث مُسبقاً وبالتالي قد تكون أعدت له وإنما حدثٌ حدثَ أمامها وترجلت بالخطاب فمن المفترض أن يكون هذا الارتجال عُنصر سلبي يُضعف هذا الخطاب. ٢/ يتمثل العنصر الثاني في الوسط الذي يتم الخطاب فيه فالمرأة عندما تُريد أن تخطب في وسط النساء تكون أكثر انطلاقاً وعلى العكس إن كانت في وسط رِجال ولا سيما إن كان هؤلاء الرجال يمثلون أعداء فيُشكل هذا الوسط عامل إضعاف للخطاب.٣/إن وضع السيدة زينب عليها السلام النفسي والروحي بل والبدني كان سيئاً فمن الناحية البدنية فقد كانت في سفر شاق مسيرة ٢٠ يوماً من الكوفة إلى الشام وأما من الناحية النفسية فهي للتو فقدت أبنائها والأم حينما تفقد ابن

من أبنائها وفي مثل عُمر السيدة زينب الذي تخطى ٥٣ سنه تتضعضع قوتها وكذلك شهِدت مصرع أخوتها وحُماتها وتحملت مسؤولية الأطفال واليتامى بالإضافة إلى شماتة الأعداء.جاءت هذه الخطبة في ظروف صعبة جداً وتؤدي إلى دور مُعاكس إلى خُطبة العقيلة زينب عليها السلام فمن المفترض أن يكون الخطاب ضعيفاً وليس في أفضل حالاته لكنما نقله المؤرخون ووصل إلينا أبهر العقول المتأملة في ذلك الخطاب بل ويُنبأ عن قُدرة استثنائية تميزت بها العقيلة عليها السلام ففي مدة قصيره وبحدود ٣٠ سطر تحدثت السيدة الجليلة زينب في مواضيع كثيرة جداً ومتنوعة بل وبلغت كُل الغاية التي كانت تهدف إليها من وراء خطبتها وهذا من الأمور التي تكاد تقُرب إلى الإعجاز البلاغي.*تأملات في خطبة السيدة زينب عليها السلام... *انتخبت الحوراء زينب عليها السلام في

مقدمة خُطبتها آية من آيات القرآن الكريم تُناقش أمراً عقائدياً ينطبق تماماً على يزيد ابن معاوية فكان أول ما بدأت به بعد البسملة وحمد الله عزّ وجلّ والصلاة على محمد وآل محمد هو قولها: صدق الله حيث يقول (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ) فيتجلى معنى هذه الآية التي تُشير إلى تدرج الانسان في المعصية التي تنتهي به إلى الكفر فحينما يبدأ الانسان بالتجاوز وممارسة المنكرات كالزنى وشرب الخمر فهو بذلك يُعد فاسق مع بقاءه على أصوله العقائدية ولكنه لا يلتزم بها ولم ينكر بعد وجود الله ولكنه على أثر الاستمرار والتوغل في المعصية تقوم هذه السيئات والمعاصي بتطويق صاحبها بالتخبط وبظُلمة القلب إلى درجة وصوله إلى التكذيب بآيات الله عزّ وجلّ فينقلب

من مجرد فاسق إلى مُكذب بآيات الله ويكون بذلك قد انتقل من فساد جوارحي إلى فساد جوانحي ومن خلل في الفعل إلى خلل في العقيدة ويصل بالتالي إلى درجة الكفر ويُصبح ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ) وهذا التفصيل في المعنى ينطبق تماماً على يزيد ابن معاوية حيث أنه بدأ بشرب الخمر فقال : ما قال ربُك ويلٌ للذي شربوا بل قال ربك ويلٌ للمصليناوكان يُمارس الزنا ويعمل المنكرات وهي كُلها من فساد الجوارح ووصلت به هذه المعاصي والتوغل فيها إلى أن قال مُتمثلاً بأبيات عبد الله ابن الزبعرا السهمي الكافر على زمان رسول الله صلى الله عليه وآلة وأضاف إلى تلك الأبيات أبيات أُخر من عنده والتي تُعبر عن إنكاره الحقيقي للنبوة والوحي حيث قال:

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحيٌ نزل ففي انتخاب العقيلة زينب عليها السلام لهذه الآية التي تُشخص حالة يزيد ابن معاوية قمة الإبداع.*تقول العقيلة زينب عليها السلام: (أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حِيثُ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ، وآفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا، نُسَاقُ كَما تُساقْ الأُسارى بِأنَّ لكَ عَليْه كَرَامَةً وأَنّاَ لنا عَليهِ هَوَاناً) إن المتأمل في هذا المقطع من خُطبتها عليها السلام يتضح له أنها أشارت إلى أمراً هامُ جداً وهو أنه لا ملازمة أبداً بين انتصار شخص من الناحية الظاهرية وبين كونه على الحق ومُقرباً من الله عزّ وجلّ وإنما قد يكون من أولئك الذين كفروا فيُملي الله لهم لكي يزدادوا إثماً في هذه الدنيا ولهم عذاب مُهين في الآخرة وهذا المعنى موجوداً حتى يومنا هذا عند قسم من العُلماء

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة