آفاق المعرفة في خطبة العقيلة زينب في الشام
كتابة الأخت الفاضلة زهراء محمد
من خُطبة لعقيلة الطالبيين السيدة زينب بنت أمير المؤمنين على أبيها وعليها أفضل التحية والسلام قالت مُخاطبة يزيد ابن معاوية: (أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حِيثُ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ، وآفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا، نُسَاقُ كَما تُساقْ الأُسارى بِأنَّ لكَ عَليْه كَرَامَةً وأَنّاَ لنا عَليهِ هَوَاناً؟؟ وَأَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ عِنده فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ وَنَظَرْتَ فِي عِطْفٍك جَذّلانَ مَسّرورا حِيثُ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُتَّسِقَةً والْأُمُور مُسْتَوْسِقَةً وَحِينَ صَفِيَ لَكَ مُلْكُنَا وَخَلَصَ لَكَ سُلْطَانُنَا فَمَهْلًا مَهْلًا لَا تَطِشْ جَهْلًا! أَ نَسِيتَ قَوْلَ اللَّه:
(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ)
• ماهية الخَطابة أو الخِطابة...
هي عبارة عن فنّ اقناع السامع من قِبل المتكلم بفكرة ما عبر مُقدمات يُمهدها الخطيب بحيث تنتهي إلى أن يقبل السامع هذه الفكرة وهذا الخِطاب، وأصحاب الدعوات والقادة والأنبياء هُم ممن يحتاجون إلى هذا الفن لكي يستطيعون أن يُمارسوا دورهم الرسالي في إيصال ما يريدون إلى الناس وأشار البعض إلى أن هذا الفن هو فنٌ قديم جداً وقيل أن أرسطو من الأوائل الذين وضعوا لفن الخطابة منهجاً وتحدث فيها بشكل عملي كما أنه ألّفَ كتاب أسمه الخطابة بيّن فيه بعض الأُسس التي تعتمد عليها الخطابة، ولكن لم يكن هو الوحيد البارع في هذا الجانب فقد تحدث القرآن الكريم عن أنبياء كانوا يمتلكون هذا الفن ببراعة ومقدرة أمثال نبي الله سُليمان على نبينا وعلى آلة وعليه أفضل التحية والسلام في قول الله عزّ وجلّ: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) وكذلك نبي الله شُعيب الذي لُقِب بخطيب الأنبياء ولعل الذي يرجع إلى آيات القرآن الكريم ويرى طريقة حواره مع المخالفين له والمكذبين لدعوته يجد آثار هذه القدرة موجودة في كلامه حتى إذا وصل الأمر إلى النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآلة الذي كان يملك جميع المقومات التي تجعل كلامه مُقنعاً ومؤثراً وحيث أنه أيضاً أُوتي جوامع الكَلِم وكان أفصح العرب كما قال عن نفسه بلا مباهاة ولا تكبر ( أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش) فكان النبي صلى الله عليه وآلة صاحب معاني قوية وكلمات مُتدفقة ومن يقرأ في سيرته يلحظ هذه المعاني.
وأما أمير المؤمنين عليّ عليه السلام فكان مشهوراً ومعروفاً بخطاباته المؤثرة وكلامه البليغ الذي كان طوع يديه وخير شاهد ما حدث في كربلاء عندما بدأ الإمام الحسين عليه السلام يخطب في القوم فنطق أحد الحاضرين قائلاً: (هو كأبيه لو وقف طيلة نهاره لما عيّي أو أُحصر) وفي هذا إشارة إلى قدرات أمير المؤمنين عليه السلام وقدرات الإمام الحسين عليه السلام فلا يتردد ولا يتلجلج ولا ينحصر في الكلام وكان أيضاً ممن يملك هذا الفن بإتقان وإبداع هي العقيلة زينب عليها السلام فقد قال عنها الأمويين أمثال ابن زياد ويزيد ابن معاوية عندما سمعوا منها ذلك الكلام القوي معنى والبليغ مبنى في خُطبها التي خطبتها في كلُ من الشام والكوفة: (إن تكن سجاعة فأباها قد كان سجّاعاً) وذلك لكي لا يعترفوا ببلاغتها وبلاغة أبيها أمير المؤمنين عليه السلام.
*خُطبة السيدة زينب عليها السلام في مجلس يزيد ابن معاوية...
(اعجاز الخطاب ومرارة الظروف المحيطة ) العناصر التي تُساهم في إضعاف الخِطاب بشكل عام ومقارنتها بالأجواء التي كانت مُحيطة بالسيدة زينب عليها السلام...١/ خطبت السيدة زينب عليها السلام خُطبتها في مجلس يزيد ابن معاوية في الشام وكان خِطابها آنذاك ارتجالياً والخطاب الارتجالي عادةً ما يكون أقرب إلى الضعف من الخطاب المُحبّر والمُعد مُسبقاً وذلك لصعوبة هذا النوع من الخُطب فحينما تأمر أحداً في مجلس ما بالقيام والتحدث في موضوع معين دون سابق إخبار ربما ينحصر ويعتذر وربما يتلعثم ويتأخر حتى وإن كان عالماً فإنه لن يُتقن الحديث بمقدار لو كان قد أعدّ له مُسبقاً، وخطاب العقيلة زينب عليها السلام كان ارتجالياً وذلك حينما رأت يزيد ابن معاوية وقدّ قُدم إليه رأس الحسين عليه السلام وبدأ ينكت ثناياه ويتمثل بتلك الأبيات