فالإنسان يُدعى لأبيه؛ وبالتالي لا يصحّ أن يُدعى وينسب لغير أبيه؛ لأنّه يترتّب على ذلك ميراث ونسب ومحرَمية، بينما في التبنّي لا يترتّب أيّ شيء على ذلك؛ فعاد إليه الاسم أنّه زيد بن حارثة.
وهنا نشير إلى أنّ قسمًا من الناس ـ ولا سيما بعض النساء ـ يكتبن ـ أحياناً ـ رسائل يطلبن فيها الدعاء لابنهم أو ابنتهم، ويكتبن فيها: ادعوا إلى ابني (محمد بن خديجة)، أو ابنتي (فاطمة بنت خديجة)!!، وينسبن ابنهن أو ابنتهن إليهن، وليس إلى أبيهن. ونسألهن: لماذا لا تنسبونهم إلى أبيهم؟!
وهذا راجع لتأثر بعض الناس بالحركات المشعوذة لبعض القنوات الفاسدة التي تتعاطى أمورًا كالتنجيم والسحر وما شابه ذلك؛ لأنّهم ـ عادة ـ يسألون عن أسم الأم!!
وفي بعض الأحيان يكون هذا نوعًا من الاتهام في الشرف عندما تأتي واحدة وتقول: (ادعوا لفاطمة بنت خديجة)، وكأنّها تقول ـ بمعنى آخر ـ: إنّ هذه البنت غير معلوم أنّ هذا هو أبوها فعلًا!!
إذا كان الأب معروفًا، ووُلد الابن على فراش الزوجية فلا يصحّ أن نناديه في هذه الدنيا باسم أمه إلا أذا شككنا في نسبه ـ مثلًا ـ، كما يقولون: (زياد ابن سمية)؛ لأنّنا لا نعرف مَن أبوه، لكنّ أمه معروفة.
أما إذا ولد شخص عبر نكاح شرعي وولادة شرعية فمن الخطأ أن يُنادى باسم أمه إلا في بعض الحالات التي يُراد منها التعظيم والتفخيم، كقول الحسين: (أنا الحسين بن فاطمة)، فذاك شيء آخر، أما في الحالات العادية التي تندرج ضمن المقاييس الدنيوية، فالصحيح هو أن ندعوهم لآبائهم: {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ}، لا أن ندعوهم لأمهاتهم.
ونقول: (ضمن المقاييس الدنيوية)؛ لأنّ للآخرة مقاييسها الخاصة بتلك النشأة الأخرى.
وهكذا نزلت الآية الشريفة: {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ}، فدُعي زيد بن حارثة، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتربّى في كنف الرسول وعلى يده المباركة فترة طويلة من الزمن، فقد عاش مع النبي من قبل البعثة ١٣ عامًا، قيل أنّه من أيام زواج خديجة، والزواج كان قبل البعثة، يعني نستطيع أن نقدِّر تقريبًا من ٢٥ سنة إلى ٣٠ سنة كانت رفقة زيد لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فكيف سيخرج.
وبمقدار ما كان زيد يحبّ النبي صلى الله عليه وآله كان النبي يحبّ زيدًا؛ ولذلك يُعبَّر عنه بـ (حِبّ رسول الله)، أي المحبوب عند رسول الله، وكان يخرج مع الإمام علي إلى جنب رسول الله يدافعان عن النبي من أذى كفار قريش وسفهاء الطائف وغيرهم..
زواج زيد من زينب:
استظلّ زيد بفناء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله إلى أن حصلت الهجرة، فهاجر ـ وهو مسلم من أوائل المسلمين ـ إلى المدينة المنورة، وأضحى عمره كبيرًا يحتاج إلى زواج، والنبي صلى الله عليه وآله في موضوع الزواج كانت عنده قيمة نبيلة هي: أن يزوّج من الطبقات المختلفة من أجل أن يتضع النكاح، كان يريد أن يقضي على الفوارق العنصرية والقبلية والامتيازات الزائفة، وأنّ هذا غنيّ لا يعطي ابنته إلى فقير، وذاك شريف بحسب الترتيب الاجتماعي ولا يعطي ابنته إلى إنسان عادي، وهذا سيّد هاشمي ولا يعطي ابنته لغير سيّد هاشمي، هذه كلّها كان النبي صلى الله عليه وآله يريد أن يقتلعها ويزيلها ويمسحها؛ ولذلك أقدم على عدد من هذه الزيجات، فمثلًا: زوّج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عمّه صلى الله عليه وآله ، ذات الشرف العالي في النسب، للمقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود الكندي الذي جاء هاربًا في قضية من القضايا، ولأنّه وصل إلى مكة، وليس عنده أحد يلجأ إليه فيها، فتولى الأسودَ الكندي، وعقد معه (حلف ولاء)، فهؤلاء الضعفاء الذين لم تكن لهم عائلة في مكة كانوا يفعلون هكذا، مثل (التجنيس)، فيأتي شخص ليست لديه جنسية، ويعمل له جنسية بذاك البلد، فيصير هذا عقد ولاء، ويصير هذا الشخص محميًا من قبل هذا الكبير، وهم ـ بحسب ذاك الزمان ـ في طبقة أدنى في سلّم الطبقات الاجتماعية من الإنسان العربي الصميم الذي هو من أصل مكة.