يمكن للمرأة أن تسلك طريق الفهم والذكاء والوعي والمعرفة بحيث إذا رأت بداية الشيء تستطيع أن تنظر إلى نهايته، حالة بصيرة و وعي و معرفة وذلك من خلال الاهتمام بالقضايا العالية. الإنسان رجلا كان أو امرأة اذا صارت اهتماماته اهتمامات عالية، آن إذٍ يتفتح ذهنه وتزداد بصيرته، وأما إذا كان كل همه وغمه في الصغائر.
فيما ورد في الحديث فيما يبغضه الله :( إن الله يبغض سفاسف الأمور) الأمور البسيطة أن يقضي الإنسان عمره بالكامل فيها وأن يُستفرغ فيها، وقسم من الناس عندما ترى حياته تجد جانبا كبيرا منها مربوطا بهذه السفاسف والقضايا البسيطة؛ هذا لا يستطيع أن يكون صاحب بصيرة، لا يمكن أن يكون صاحب فهم، لا يمكن أن يكون صاحب رؤية، عندما يكون له اهتمامات عالية، توجهات كبيرة، يكبر الفهم الإنساني وفقه الإنسان وإدراكه وذكاؤه بنفس هذا المقدار و على قدر أهل العزم تأتي العزائم - كما يقول الشاعر- بمقدار ما تفكر تنتج.
تفكر في اشياء تافهة وبسيطة تنتج بهذا المقدار، أو تفكر بشيء عظيم وخطير آن إذٍ تنتج بذلك المقدار.
زينب سلام الله عليها وصلت إلى هذه المرتبة أنها عالمة غير معلمة -كما ورد- وفهمة غير مفهمة ويمكن للإنسان المسلم إن كان رجلا أو إمرأة لو سلك هذا الطريق أن يصل إلى درجات عالية من العلم ومن الفهم، هذا يمكن للإنسان أن يتبصر في هذا المعنى.
ولذلك نقل عنها أيضا أنها في أيام شبابها كانت تفسر القرآن وكان لها مجلس في الكوفة أيام حكومة أبيها أمير المؤمنين عليه السلام بحيث كانت تعرف الناس مبادئ القرآن، ومفسر القرآن - كما تعلمون - إذا كان بحقٍّ مفسرا هو محيط بمجموعة المعارف الدينية، لا يمكن أن يكون شخص مفسرا للقرآن وهو غير خبير في الفقه. ماذا يصنع في آيات الميراث؟ ماذا يصنع في آيات النفقة؟ ماذا يصنع في آيات الوصية؟ ماذا يصنع في آيات الوضوء؟ وفي آيات التيمم والغسل؟ وهكذا سائر الأمور لابد أن يكون المفسر فقيها حتى يتعرف على هذه الأحكام الشرعية والآيات القرآنية الواردة في القرآن الكريم في موضوع الفقه. لابد أن يكون عارفا أيضا بالعقائد، إذ أنّ قسما كبيرا من آيات القرآن الكريم يرتبط بأمور العقيدة في الله، قضايا التوحيد، صفات الله عز وجل، قضايا العصمة في الأنبياء، ما ظاهره خلاف العصمة آيات كثيرة لابد أن يجيب عليها وإلا لم يكن مفسرا، إذا مرت عليه آيات توهم بعدم العصمة لابد أن يكون له جواب حاضر، وإذا قام بالنسخ من هنا والأخذ من هناك لم يعد هذا مفسرا في الدرجة المطلوبة. لابد أن يكون عالما بالعقائد، لابد أن يكون عالما بمقدار بالتاريخ وقصص الأنبياء وهكذا. فضلا عن نفس علوم القرآن وفضلا عن علوم اللغة العربية وإعرابها، كل هذا وغيره لابد أن يكون المفسر محيطا به وإلا لا يستطيع أن يفسر القرآن.
فإذا قيل لنا أن زينب عليها السلام كانت تفسر القرآن الكريم وتُدرّس ذلك أمكن لنا أن نتفهم أن لدى هذه السيدة علما كبيرا واسعا يتطلبه علم التفسير.
وهكذا ما ورد في كلماتها وخطبها وأقوالها ينبئك ذلك عن علم كبير وواسع ولو أن إنسانا أراد أن يحلل كلمات العقيلة زينب ولو بهذا المقدار القليل خطبها بعد كربلاء إلى رجوعها إلى المدينة، سوف يجد نفسه أمام خُطب ناضجة للغاية، أمام أساليب أدبية متفوقة وعالية السبق والصياغة وتحتاج إلى دراسات أدبية مهمة وقد قالت هذه الخطب على السليقة والسجية لم يكن هناك تحضير وإعداد ولم تكن الظروف أيضا ظروفا مناسبة، ظروف جوع وعطش وسبي ومشاكل وثكل وترمّل و و والى غير ذلك من الأمور.