نظرة جديدة في آفاق حديث الثقلين

نظرة جديدة في آفاق حديث الثقلين
00:00 --:--

ونشير هنا إلى أن نبي الله موسى لما سأل ربه أن يراه،  كان استجابة لكلام قومه وإلا فإن الله سبحانه وتعالى يعلم أن موسى لايسأل هذا السؤال وموسى أسمى من أن يسأل مثل هذا السؤال وقد ورد في الروايات أن الله أوحى إليه "سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بذلك" قال رب أرني أنظر إليك فكان هذا طلبهم وسؤالهم لأنهم رافقوه حتى يسمعوا كيف يكلم الله نبيه موسى، ولما سمعوا الصوت لم يتقبلوا الأمر وشككوا فيه، وطالبوه بأن يروا الله ليصدقوه ويطمأنوا، فغضب منهم، فقال لهم أن هذا لا يكون وأن الله لا يرى فأوحى إليه الله  "سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بذلك" وأراد الله أن يريهم قدرته  "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا" وكانت الرسالة الموجهة لهم أن الجبل الصلب الصلد  لم يتمكن من تحمل رشحة من نور الله عز وجل، فكيف بكم أنتم أن تتحملوا أشعة من نور الله فضلا عن رؤيته. فالله تعالى قال في الآية "لن تراني"  والمقصود لا في هذه النشأة الدنيا ولا في الآخرة ولا في يوم القيامة، فعندما يأتي أحدهم راويا حديثا عن رسول الله أنكم ترون ربكم فلنتذكر أن الرسول أخبر أن الكذابة أو الكذبة يكثرون عليه فقال "ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه و ما عارض (أو خالف) كتاب الله فاضربوا به عرض الحائط". وعندما نعرض هذا الحديث على كتاب ربنا نرى أن الله يقول لنبيه موسى -وهو النبي المقرب- "لن تراني" و "لن" هنا  يعني مؤبدا ، نهائيا وفي آية أخرى "لا تدركه الأبصار"

الشاهد هو  أن "لن" للتابيد ليست لزمن معين فالمعنى أنهما لن يفترقا  للأبد في أي حال سواء أكان سهوا،  عمدا،  نسيانا،  تذكرا،  جهلا،  علما ..فالثقلان لا يوجد بينهما افتراق فلا يمكن أن يخطئ الإمام ولو على سبيل السهو والنسيان في مسألة أو حكم شرعي أو فعل من الأفعال لأن ذلك يعني أنه قد افترق عن كتاب الله ، فإن قام الإمام بأحد الأعمال أو أرشد إلى حكم شرعي، نسيانا، أو سهوا ،أو غفلة وتبين أن هذا ليس في القرآن فحينها أيضا يحصل الافتراق. وقد قال النبي "لن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة"

وهناك أبعاد أخرى أيضا في هذا الحديث يمكن أن تستكشف.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم،  وهو يريد الارتحال من هذه الدنيا  خلّف في الناس هذا الكنز العظيم ولو أن الأمة الإسلامية في هذا الزمان انشغلت به - ومع الأسف لم تنشغل بهذا الحديث، بل على العكس عادة ما تتوجه النقاشات والحوارات إلى الأمور المثيرة للتشنج، والتعصب، والحدة، والشتم، والمهاجمة، والمهاترة، وعادة  لا تنتهي هذه النقاشات  إلى نتيجة صحيحة وسليمة - لكانت أقرب إلى نهج الله عز وجل.

متى يمكن للأمة أن تقترب من بعضها البعض وأن تقترب إلى نهج الله عز وجل؟
عندما تعمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فالنبي جاء ومعه آلاف الأحكام، والأمانات، والقضايا المهمة لهذه الأمة، لكن الشيء الذي أكثر من الوصاية به والتأكيد عليه كان "عترتي أهل بيتي" و"كتاب الله" وتعددت الروايات فمرة يقول "حبل ممدود بين السماء والأرض أحدهما أكبر من الآخر" و "حبل ممدود بين السماء والأرض كتاب الله و عترتي أهل بيتي ألا وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض" و "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا"  و "إني مخلف فيكم".. وهكذا
وهناك روايات أخرى فيها إشارات "فانظروا كيف تخلفوني فيهما" تخلفوني وليس تخلّفوني أحيانا يقرؤها البعض تخلّفوني وهو غير صحيح. التخليف يكون من النبي والخلافة منا نحن المسلمين. وقد جاء في القرآن الكريم في قضية نبي الله موسى قال: "بئسما خلفتموني" ولم يقل خلّفتموني.
فمعنى تخلفوني هنا: أي انظروا كيف تقومون بخلافتي فيهما؟ كيف هي أمانتكم وخلافتكم لي في ما يتعلق بعترتي وماذا تصنعون؟ وأنكم ستردون علي الحوض وحينها أحاسبكم عن ذلك. و قد قال النبي هذا الحديث مرات كثيرة وهذا يبين شدة اهتمامه. وللأسف بعض غير العارفين والمدققين لاسيما من أصحاب الجدل الذين لا يريدون الانتهاء إلى الحق، يشكلون على اختلاف النصوص في هذه الرواية ويدّعون وجود تعارض بين النصوص فيقولون مرة تروون بنص يقول تارك فيكم، ومرة بنص يقول مخلف فيكم، ومرة بنص فيه زيادة.. فنقول أن لا تعارض هناك بل على العكس ، هذا يبين شدة اهتمام النبي بهذا الحديث فكان يلقيه في أماكن متعددة، على أشخاص متعددين، في مناسبات مختلفة ، وهنا نقارن بين شخص جمع أشخاصا  وألقى عليهم حديثا مرة واحدة وانتهى، وبين شخص ينتهز كل فرصة ومناسبة ليلقي نفس الحديث، في المسجد، أو في جماعة قل عددهم أو كثر، في جلسة خاصة، في حرب أو في سلم ويستفيد من كل فرصة ومناسبة للتأكيد على هذه المعاني فأيهما يريد التأكيد أكثر؟!
الأصل أن هناك ثقلين مهمين هما  كتاب الله والعترة تركهما رسول الله في الأمة وأمرهم باتباعهما فهذا الأمر ثابت في كل هذه النصوص على اختلافها ، فبعض هذه النصوص فيه زيادة مثلا "لا تقدموهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا" فربما يرى أن هناك جماعة تحتاج تأكيدا أكثر فيضيف هذه الإضافة ، وفي مكان آخر يرى أنه يريد من جماعة أن تسمع منه مباشرة للنقل إلى غيرهم من الناس فينقل لهم المتن الأساسي للحديث. ولذلك تعددت صيغ الحديث في مقدمها وفي مؤخرها ولكن المتن الأصلي المطلوب، والمعنى المطلوب كان واحدا في كل هذه النصوص.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة