أولا: كتاب الله .. لماذا استخدم رسول الله هذا اللفظ و لم يقل القرآن أو الفرقان أو كلام الله أو ما شابه ذلك.
هناك احتمال ولعله هو الواضح، أن هذه الكلمة تدل على معنيين مهمين.
المعنى الاول هو ما يذهب إليه علماء الامامية من أن القرآن الكريم في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان مجموعا وكاملا وتاما ككتاب.
وهذا يعني أن ما قيل عن جمع القرآن فيما بعد سواء في أيام الخليفة الأول على رواية، أو أيام الخليفة الثاني على رواية، أو أيام الخليفة الثالث على رواية أخرى. بغض النظر عن اختلاف تلك الروايات وتضاربها - وهذا ما أشار له مرجع الطائفة في زمانه السيد الخوئي في كتابه البيان في تفسير القران - قال ان هذه الروايات متعارضة في عدة جهات ومتهافتة من عدة نواحي بالإضافة إلى ذلك عندما يقول النبي "الكتاب" فهذا يعني أن هذا الكتاب مجموع، فلا يصح أن تقول لشخص أنا سأعطيك كتابا القسم الأول منه هنا، والثاني في المسجد والثالث في بيتكم والرابع في المخزن - هذا لا يكون كتابا -. الكتاب يعني شيئا كاملا من الغلاف إلى الغلاف تضمه وحدة موضوعية. ولو قلت أنني مثلا طبعت كتاب "مفاتيح الجنان" وأزلت منه عشر صفحات، سيقول الناس أنك لم تطبع الكتاب كاملا فهذا ليس كتاب مفاتيح الجنان. حتى ورقة واحدة لو أزلتها سيقولون هذا ليس كتاب فلان الكامل، هذا ناقص.
فعندما يقول الرسول "كتاب الله" فمعنى ذلك لا بد أن يكون شيئا كاملا من أوله إلى آخره وهو مجموع، وهذا الرأي هو ما يذهب إليه علماء الإمامية من أن القرآن الكريم قد تم جمعه في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان مؤلفا في وحدة واحدة، لم يكن هكذا كما قالوا فيما بعد: أنهم كانوا طفقوا يجمعونه من العُسب (ما فوق كربة النخل) واللخاف والجلود وما شابه ذلك، ليس الأمر هكذا.
القرآن كان مجموعا في زمان رسول الله ولهذا تحدث عنه وقال إني تارك فيكم - هذا الكتاب - الكتاب الكامل والكتاب المجموع
فمن حديث الثقلين نستفيد أن كتاب الله عز وجل القرآن الكريم كان مجموعا في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتوصيات بهذا الكتاب في الحديث منصبة عليه .. انظروا كتاب الله وأي حديث يأتيكم عني "اعرضوه على كتاب الله" فليس من المعقول أن يكون كتاب الله مفرقا وموزعا - جزء في الشمال وجزء في الجنوب - والنبي يقول اعرضوه على كتاب الله فلا بد أن يكون شيئا موحدا وواضحا ومجموعا.
فأول ما يستفاد من هذا الحديث الشريف أن كتاب الله عز وجل كان مجموعا في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه قد ترك ذلك الكتاب المجموع الكامل إذ لا يعقل أن يترك شيئا ناقصا لهدايتهم.
لنفرض مثلا أننا صدقنا رواية أنه جمع في أيام الخليفة الثالث، يعني بعد وفاة رسول الله ص بحوالي عشرين سنة من سنة ١١هـ وحتى سنة ٣١ هـ ، فكيف كانوا يتعاملون مع الأحاديث طول هذه المدة، والحال أن القرآن الكريم لم يكن مجموعا!
الأمر الآخر .. نستفيد من الحديث قضية الاقتران التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الكتاب وبين العترة حيث قال : "ألا وإن اللطيف الخبير قد أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض".
هذا نستفيد منه أمورا كثيرة
الأمر الأول: نستفيد وجود الإمام في كل زمان إلى يوم يلقى الناس ربهم ويردون على الحوض، لماذا؟
لأنه لو فرضنا أن زمانا من الأزمنة قد خلي وفرغ عن إمام فقد حصل الافتراق، عندها يكون القرآن موجود والإمام غير موجود فلا يوجد إمام في هذا الزمان كما عليه رأي المدرسة الأخرى.
و النبي يقول في الحديث المتواتر أن الله أخبره أنهما لن يفترقا فإذا لم يكن هناك إمام أصلا فمعنى ذلك أن الافتراق بين القران وبين العترة قد حصل وقد أخبر النبي أن الله تعهد بعدم افتراقهما وانهما مقترنان لا ينفكان من زمان وفاة رسول الله الى أن يرد الناس على الحوض وينتهي زمان التكليف.
فنستفيد من هذا أيضا في مبحث الإمامة، أن وجود الإمام في كل زمان ضرورة دينية لكي لا يحصل تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في حديث الثقلين من أن الكتاب والعترة لن يفترقا .
لن يفترقا يعني أنهما لا بد أن يكونا موجودين في نفس الزمان، فالقرآن موجود عندنا الآن فإذا لم يكن الإمام موجودا أيضا عندها يكون الافتراق حاصلا. إذن فنحن نستفيد من هذا الحديث في مباحث الإمامة، لزوم وجود الإمام من العترة في كل زمان من الأزمنة إلى أن ينتهي زمان التكليف ويرد الناس إلى الحوض، هذا أمر ثان.
أمر ثالث : ينفعنا في قضية علم الإمام وكمال القرآن من جهة أخرى. إذ نعتقد نحن الإمامية -وهذا يستكشف أيضا من الحديث الشريف- أن القرآن الكريم كامل لا يوجد فيه نقص ولا يوجد فيه تحريف ولا زيادة على الاطلاق. لأن المقصود من عدم الافتراق عدم الافتراق المعنوي أيضا بمعنى أنه لا يمكن أن يكون كلام القرآن مخالفا لكلام الإمام ولا العكس فإذا فرضنا - لاسمح الله - أن القرآن كان ناقصا آية أو آيات أو زائدا آية أو آيات عندها من الممكن أن يفتي الإمام على خلاف ما جاء في القرآن وهنا يحصل الافتراق.
ولو فرضنا أن آية ما ليست موجودة في القرآن، وأفتى الإمام بفتوى والقرآن ناقص، فيحصل هنا الاختلاف أيضا.
على سبيل المثال، في موضوع الاستنساخ البشري أو موضوع الأسهم جاء الإمام و أفتى بفتوى وكانت هناك آية في القرآن في هذا الموضوع وحذفت، هنا أيضا يحصل الافتراق. فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال "لن يفترقا"
من خلال هذا الحديث الذي يثبت عدم افتراق وانفصال الإمام والعترة عن القرآن نستنتج أحد الأدلة على تمامية القرآن وعدم وجود نقص فيه أو خلل ونستنتج أيضا إحاطة الأئمة عليه السلام بعلم القرآن الكريم كما أخبر القرآن في قول الله عز وجل "قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب"