والباعِثة على الاستقرار ... ماذا لو أن بلاد المسلمين سلكت هذا المسلَك وهذا السبيل ؟ ما الذي يضُرُّهم ؟ بل سيتحقَّقُ لهم نفْعٌ كبير ...إذن في هذا الموضوع نُوَجِّهُ رسالتَيْن / الرسالة الأولى فكرية : أن التشيُّعَ له أصالةٌ تاريخيةٌ التاريخُ يخدِمُه ، والجُغْرافيا تخدِمُه في تنوُّعِ المنتَمين إليه ، وليس نبتَةً صحراويةً أو وافِداً في غفلةٍ وإنما هو مذهَبٌ أصيلٌ يلتَزِمُ به المسلمون في مناطق مختلفة على اختلافِ أعراقِهِم ، ولُغاتِهم ، ومناطِقهم الجغرافية ..والرسالة الأخرى معاصِرة : أن هذا المُجتمع الأفغاني بعد مُعاناة وبعد حروب ، وبعد مشاكل وصل إلى هذه النتيجة ، أنه لابُد أن يعترِف المُختلِفون باختلافهم ، المذاهب ببعضِها البعض ، وأن يتعايَشوا على هذا الأساس ..الموضوع التاريخي / الشيعة اليوم بحسب كلامهم يُقدِّرون وجودهم
في أفغانستان ما بين ٢٠ إلى ٢٥ % من عدد السُّكان ، وهم معروفون بالهَزارَا ، وهم قومية تتمايز حتى في شكلها إلى حدٍّ مع سائر القوميات ، هؤلاء الشيعة يتجاورون إلى جانب الأكثرية السُّنية الحنفية ، وأيضاً يوجد هناك شوافِع وحنابِلة ...يبدأ موضوع هذه المنطقة التي عُرِفت بِسِجِسْتان ، وتُعرَّب بسيستان - وهذه تختلف عن منطقة سيستان الإيرانية الموجودة على أطراف خُراسان ، والتي ينتمي إليها بعض مراجع الدين – وهي من ما بعد خُراسان إلى الهند تاريخياً كان يُطلَق عليها سِجِستان وفيها مناطق كثيرة جداً ومُدُن كبيرة ، وأتحاء شاسِعة .. هذه المنطِقة بُدِئ بفتحها في زمان الخليفة عمر بن الخطاب _ من بدايات سنة ١٧ هـ - بُعِثَ إليها بِحسب التواريخ الأحنف بن قيس التميمي وبقي هذا
الرجل قريب من ١٧ سنة في هذه المنطقة ، وغي كل فترة من الفترات تُفتَتح منطقة جُغرافية ، ويَبقَونَ فيها ، فلم تكن طريقة فتح أفغانستان بطريقة اقتحام من الحدود إلى الحدود ؛ لأنها منطقة جبلية ، وفيها حالات تمرُّد ، وعدم قبول وما شابَه ..الأحنف بن قيس التميمي / قائد عسكري يقومُ بهذا العمل ، يُعَدُّ من شيعةِ أمير المؤمنين عليه السلام ، أخبار كثيرة في هذا الاتجاه ، منها ما ورد من أنه دخل ذات يومٍ إلى بيت أميرِ المؤمنين عليه السلام ، فقال له الإمام : يا أحنف تعشَّ مع الحسن والحسين ، فجلس معهما ، فسألهم عن والدهم لمَ لا يتعشى معنا ؟ فقالوا له : أن عنده عشاءً خاصاً ، فأشاروا إلى جِرابٍ مختوم ،
فجَسَّهُ قليلاً فرأى فيه خُبزاً خشِناً . فقال له : يا أمير المؤمنين ، لمَاذا ختَمْتَهُ ؟ فأجابه الحسنان : إنما ختَمَهُ حتى نَلُتَّهُ بِزيْتٍ أو شبهِ ذلك .هذا الرجل آلى على نفسِهِ أن يُخْشَوْشَنَ في ذاتِ الله ، وأن يكون زاهِداً ، ولا يُدخِل في بطنه إلا هذا الأمر .. وبعد أن انتهى من العشاء جلس إلى أمير المؤمنين ، وتحدَّث معهُ ، كان مع الإمام في كل حروبه إلا حرب الجمل ، عندما استُشهِد الإمام عليه السلام ، استُدْعِيَ إلى الشام من قِبلِ معاوية ؛ ليختبره إذا كان ممن ينقادُ بالمال ، أو بأكثر من المال ، حتى يتكلم بكلامٍ ضد الإمام علي عليه السلام .. فجاء الأحنف وإذا بخطيبٍ قام وشتم الإمام علي عليه السلام ، فقام
الأحنف وقال له : يا معاوية اتقِ الله ، فإن هذا الرجل لو علِم أن رضاك في لعنِ المرسَلين جميعاً لَلَعَنهم .. وهذا ليس موقفاً مبدئياً عنده ، وإنما هو بوقٌ هَمُّه أخذ المال فقط فاتقِ الله واترك هذا ، تحدث معه وبعد ذلك أعطاه معاوية ٥٠٠٠٠ درهم ، وأعطى الحُتات بن يزيد أو ابن عمرو ٣٠٠٠٠ درهم ، وعندما خرجوا سأل الحُتات كم أعطى ؟ قالوا له : أعطى هذا ٥٠٠٠٠ وذاك ٥٠٠٠٠ درهم ، وأنت كم ؟ قال : ٣٠٠٠٠ درهم ..ورجع إلى معاوية وقال له : أنا شرفي أقل من هؤلاء ؟ معرفتي أقل ؟ قال : لا . قال : فلِم أعطيتهم ٥٠ ألفاً وأعطيتني ٣٠ ؟ قال له : هؤلاء نحاول أن نشتري منهم أديانهم
،ليُغيِّروا أديانهم أما أنت فلا .. قال له : مني أيضاً فاشتري يا معاوية . – سبحان الله ما يفعلُهُ المال الحرم !!! – يُقال إن هذا الرجل خرج من مجلس معاوية وذهب إلى بيت الخلاء فجاءه الموت على تلك الحالة !! معاوية قال لهم : اذهبوا وأرجِعوا المال الذي أعطيناه إلى الخزينة ، فلا هو كُتِبَ له موقِفٌ إيمانيٌّ صحيح ، ولا استمرَّ في حياته ، ولا استفاد من هذه الأموال ، لا هو ولا أولاده .. حتى أن أحد الشعرء يذُمُّ معاوية ويُعاتبُه فيقول : أتأخُذُ ميراثَ الحُتاتِ ظُلامةً *** وميراثُ حربٍ جامدً لك ذائبُه ؟!! هذا المال الذي أعطيته للحُتات المفروض أنه أصبح ميراثٌ لأبنائه ، كيف يكون ميراث أبوك عندك مجمَّد بينما ميراث الحُتات مأخوذ منه