أما سعد الوالد يعتبر من زعماء الخزرج ، الخزرج الذين كانوا أحد قسمي الأنصار في المدينة، حيث كان الأنصار عبارة عن الأوس والخزرج وهما أبناء عمومة في الأعلى ومن قبيلة واحدة.
سعد بن عبادة كان يعد من كبار زعماء الخزرج وهو من النفر القلائل الذين لقبّوا بالنقباء الإثني عشر ، وهم أول مجموعة بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة في بيعة العقبة ، حيث كان هؤلاء اثني عشر رجلاً من الرؤساء على أقوامهم ، آمنوا بدعوة رسول الله ، وقاموا بدعوته إلى المدينة وعرفوا بنصرتهم إياه، ودفاعهم عنه، وقد أوذوا في سبيل ذلك، ومن بينهم سعد بن عبادة الذي تعرّض للأذى في سبيل دفاعه عن النبي ونصرته له.
فقد قامت قريش بالبحث عن هذه الثلة التي دافعت عن رسول الله والتربّص بهم ، فبدأت تبحث عنهم بعد موسم الحج، حيث استطاع البعض منهم النجاة، بينما وقع سعد بن عبادة تحت قبضتهم و ضربوه ضربًا مبرحًا عقابًا له على مبايعته للنبي ونصرته ودعوته للمدينة.
سعد بن عبادة في المدينة
كان سعد بن عبادة من أوائل المستقبلين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قدم المدينة ، وكان من البارزين في خدمة رسول الله ، بل ومن الذين تشرّفوا بدعوة النبي لهم ولأهلهم.فقد كان الوالد كريماً سخيًا معطاءً، وقد حظي بدعوةٍ كريمةٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له ولأهله.
ففي الخبر أنّ النبي صلى الله عليه وآله جاء إلى بيت سعد بن عبادة وطرق الباب مسلّمًا عليهم، فردّ سعد بصوتٍ منخفض ، فأعاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم السلام، فأجاب سعد أيضًا بصوت منخفض، وللمرة الثالثة أعاد النبي سلامه، فرفع سعد صوته بالسلام عليه، ثم سأله ابنه لماذا تصنع هكذا؟ قال: قد سمعت صوت رسول الله ورددت عليه ، ولكنّني أحببت أن أستزيد من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ثم استضافه في بيته وهو بيت من بيوت كبار شخصيات المدينة المشهورة بالخير والثراء. سكب له الماء ليغتسل، ودعاه لذلك فاغتسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في منزله ،وبعد خروج النبي دعا له ولأهله وقال ( اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة )٢ وكان لهذه الدعوة أثرٌ واضح في حياة هذه الأسرة.
قيس بن سعد بن عبادة
كان ضمن هذه الأسرة، وقد ورث السخاء من أبيه سعد بن عبادة، بل ورث أيضًا حالة الزعامة والكرم من أبيه.
ومن ناحية البنية كان قيس يتمتّع بجسم متناسق طويل، وصاحب قوة كبيرة جدَا، فكان طويلاً وجسيماً بحيث ذكر في هذا الشأن أشياء غريبة عن طوله وجسامته وقوته، وفي نفس الوقت لم يكن ملتحيًا، حتى قال أحد الأنصار وددنا أنّ اللحى تشترى لاشترينا لحية لقيس بن سعد!
قيس بن سعد والدهاء
كان يعد ثالث ثلاثة من أدهى دهاة العرب كما تذكر كتب التاريخ، فقد قيل أنّ الدهاة من العرب كانوا ثلاثة :يذكرون عمر بن العاص ،المغيرة بن شعبة، قيس بن سعد بن عبادة.
قيس بن سعد كان ذا دهاءٍ ومكرٍ وقدرةٍ على تقليب الأمور، لكنّ هذا الدهاء والمكر لم يستمر معه إلى وقت إسلامه ، حيث أنّه كان يعلم أنّ الإسلام يمقت الغدر والمكر فامتنع عنه. لعله سمع أمير المؤمنين عليه السلام ينهى عن ذلك عندما قال بحق معاوية:
(والله ما معاوية بأدهى منّي ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن لكل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يوم القيامة..)٣
هذا اللسان وهذا المقال يجعل من يتّبع أمير المؤمنين عليه السلام يترك مثل هذا الأمر، حيث أنّ الدين الإسلامي يعتبر قضية الفتك والمكر والغدر وحياكة المؤامرات من الأمور الشنيعة و الغير نافعة ، فقد كان البعض يستطيع أن يتغلّب على عدوّه بالمكر، وعلى سبيل المثال ، كان بمقدور مسلم بن عقيل أن يقتل عبيد الله بن زياد ولكنّه عرف أنّ ذلك من الغدر وهو يعلم أنّ الإسلام يمقت الغدر فلم يعمل به.