رسول الله (ص) لم يمارس أبداً مبدأ "عزيز قوم ذل"، لا يُمارس معهم إلا الرحمة والمداراة. فبقيت سفانة ومعها عدد ممن سُبي لفترة، ويروى أنّ أمير المؤمنين (ع) قال مرة لها مع مرور النبي (ص): إذا شئتِ فكلميه -أي النبي (ص)- فوقفت سفانة وتكلمت بكلام فصيح وخطابة بديعة، وهذا يبين أن الإنسان ذا القدرة الجيدة على البيان والكلام بمقدوره أن يدافع عن حقه واستخلاصه أكثر مما لو لم يكن كذلك.
فقامت وقالت: (يا محمد، أنا سفانة بنت حاتم الطائي، مات الوالد وغاب الوافد وإن أبي كان يطعم الطعام ويفشي السلام ويقري الضيف ويأمر بالمكارم فإن شئت أن تمن علينا، منَّ الله عليك ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلبَ نعمة قوم إلا جعلك في ردها إليهم سبباً...)، هذا الطلب قدمت فيه ثناءً وذكراً لحسبها ونسبها في عدة عبارات، ولكنَّها أجزلت وأوفت مرادها.
حينها قال لها النبي (ص): من وافدك؟
قالت: عدي بن حاتم
قال: الفار من الله ورسوله؟
فسكتت، فمنّ عليها رسول الله (ص) وأمر بإطلاقها
فقالت: أنا ومن معي؟ فقال: نعم
وكساها كسوة حسنة وأعطاها مالاً، وقال لها: إن شئت المقام عندنا أقمتِ، وإن شئت الذهاب ذهبتِ، هذا وهي لا زالت غير مسلمة.. فلاحظ طريقة رسول الله (ص) في تعامله وإحسانه.
فبقيت بضعة أيام في المدينة إلى أن جاء ركب يريد الذهاب إلى الشام، وكانت سفانة تعرف هذه القبيلة الوافدة، فاستأذنت رسول الله أن تذهب مع الركب إلى الشام لأن أخاها ذهب إلى الشام وبقي هناك.
فركبت مع هذا الركب وذهبت، يقول عديُّ بن حاتم: كنتُ جالساً في مكاني وإذ بي أرى ضعينة وعليها امرأة، فقلت: هذه ابنة حاتم والله. فلمّا وصلت نزلت إليَّ وقالت لي: تعساً لك وبؤسا، نجوت بنفسك وأهلك وتركت الخيل تأخذنا؟ أهكذا عهدَ إليك أبوك؟
فقال لها: لا تعتبي، فليس عندي عذرٌ كي أعتذر به، إنني المخطئ فانزلي.
حينها قال لها: كيف وجدتِ هذا الرجل؟
فقالت: إني أنصحك أن ترجع إليه، فإني رأيته وما هو بملك، فإن يكن نبياً فإنك أسعدُ الناس به، وإن يك غير ذلك فلا أظن معروفه يخطئك.
فلما أشارت إليه بذلك، قرر أن يأتي من الشام إلى المدينة في أواخر عام ٨هـ.
ذهب إلى المدينة ودخل على رسول الله (ص)، فقال له: من أنت؟
قال: أنا عدي بن حاتم.
قال النبي (ص): الفار من الله ورسوله، أفررت حتى لا تشهد بأن لا إله إلا الله وأني رسوله؟
قال عدي: إن لي ديناً غيره.
قال النبي (ص): أنا أعلم بدينك منك.
قال عدي: أنت!!
قال النبي (ص): نعم، ألست تأخذ المرباع؟ وفي دين الركوسيّة لا يجوز ذلك.. فكيف تأخذه وهو لايحل لك في دينك؟ والمرباع: أن يأخذ الرئيس ربع الغنائم، ويصطفي لنفسه أفضل ربع، وهذا على خلاف ديانتهم الركوسية.
فإما أنه لا يعمل بدينه، أو أنه لا يعرف بهذا الأمر.
النبي (ص): ألست على الركوسية؟ فهم لا يأخذون المرباع.
قال عدي: صدقت، وعندها تلا النبي (ص) الآية المباركة: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
قال عدي: يا محمد، لسنا نعبدهم، فكيف تقول اتخذناهم أرباباً من دون الله؟
قال النبي (ص): أليسوا يحلون لكم الحرام، ويحرمون عليكم الحلال؟
قال عدي: بلى.
قال النبي (ص): فتلك عبادة، عبادة طاعة دون عبادة الله.
تكلَّم معه النبي شيئاً ولا زال يريد أن يرى تصرفاته.
يقول عدي بن حاتم: قمنا فمشينا، في الطريق رأينا امرأة ضعيفة كبيرة في السن.
فاستوقفت النبي (ص)؛ فوقف معها طويلاً يُحدثها.. فقلت في نفسي: هذه ليست طريقة الملوك، فالملك عنده خدم وحاشية.. لا يمشي بالطريق ويقف مع امرأة طويلاً ليقضي لها حاجة!
ذهبنا إلى مكان آخر فأجلسني وقدّم لي وسادة، أنا جلست عليها وهو جالس على الأرض، فقلت في نفسي: هذه ليست أخلاق الملوك ولا الطامحين إلى السلطة.. بل إنه بما أراني وهو أعلم بديني وأعلم بما كنت أصنع؛ تبين أنه نبيٌّ من الله. فأقبلت عليه وأعلنت بين يديه أن أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك محمداً رسول الله.