عدي بن حاتم الطائي ومواقف مبدئية
كتابة الأخت الفاضلة فاطمة قانصو
تصحيح الاخ الفاضل علي حسن البوري
قال الله تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُم)
حديثنا يتناول بعض جوانب حياة أحد أصحاب رسول الله (ص) والذي كان من السائرين على منهاج أهل البيت (ع) وهو: عدي بن حاتم الطائي، توفي عام ٦٧هـ في الكوفة عن عمر تجاوز المائة سنة -وبعض الأقوال توصله إلى مائة وعشرين سنة- حين وفاته.
عديٌّ بن حاتم الطائي طالما عُرف بهذه النسبة، فالذاكر له ليس بحاجة إلى أن ينسبه إلى غير حاتم الطائي، الذي هو أجود وأكرم العرب، ومضرب المثل والجود والسخاء، وهو الذي تُنقل عنه الكثير من الحكايات والأشعار في هذا الجانب كقوله لغلامه:
أوقدْ، فإن الليل ليل قرَ١ .. والرّيحَ، يا مُوقِدُ، رِيحٌ صِرُّ٢
عَسَى يَرَى نارَكَ مَنْ يَمُرُّ .. إنْ جَلَبَتْ ضَيْفاً، فأنْتَ حُرُّ
وكان يقول لغلامه أن يصعد مرتفعاً في منطقته -منطقة حائل شمال المملكة حالياً-، ويأمره أن أوقد ناراً في الصحراء في جوف الليل، حتى يهتدي بها الضال وطالب الطعام، ولكي تقيه من البرودة وشدة الرياح وما شابه، ولو جلبت هذه النار شخصاً أو ضيفاً إلينا فأنت حر مكافأة لك على هذا العمل.
سخاء وكرم حاتم كان معروفاً ومشهوراً، فتراه يخاطب زوجته قائلاً:
أماوي! ما يغني الثراءُ عن الفتى .. إذا حشرجت نفس وضاق بها الصدرُ
حيث أن الأموال والثراء، كلُّها لا تنفع حينما تبلغ نفس الإنسان الحشرجة ويُوشك أن يموت، فالأجدر أن ينفق ماله بما ينفعه ويُخلّد ذكره. حاتم الطائي لم يدرك الإسلام، بل أدركهُ ابنه عديّ، الذي ورث الكرم عنه. برغم أن عدداً كثيراً من العرب ورثوا المكارم والسخاء عن آبائهم؛ لكنّهم لم يحصلوا على نفس شهرتهم.
عديٌّ في بداية أمره كان يدين بالمسيحية الركوسيّة، ويظهر أن الروم كانوا يريدون أشخاصاً وأحياءَ تُمثل خطاً متقدماً في داخل الجزيرة العربية، واستطاعوا أن يستقطبوا قسماً من هؤلاء، وكان من جملتهم الأحياء التي تقطنها قبيلة طيء -موطن حاتم الطائي وابنه عدي-.
البداية كانت إثرَ ذهاب عديّ مراتٍ إلى الشام ولقائه بالقساوسة ترك عبادة الأصنام وأصبحَ مسيحياً -دين الركوسيّة يُعرف الآن بالمسيحية الشرقية-. في حين أن قبائل طيء لازالت على عبادة الأصنام والتماثيل، حاتم والمقربين إليه كان يدينون بالمسيحيّة. وهذا كان له بالغ الأثر عندما أرادت الروم الاشتباك مع المسلمين للقضاء على الدعوة الإسلامية المحمدية؛ فهم أرادوا أن يستفيدوا من مثل هذا الوجود.
المنطقة التي تقطنها طيء تعتبر قريبة نسبياً من المدينة ومكة -حاضنة الدعوة المحمدية آنذاك-، وفي ذات الوقت أصبح لها ارتباط ديني واقتصادي مع الروم؛ وبالتالي عندما يتحرك الرومان من الجهتين -مع حلفائهم الجدد- سيكونون قادرين على إحراج موقف الدولة الإسلامية التي أسسها رسول الله (ص)، وقد حصل ذلك في غزوة تبوك.
النبي المصطفى (ص) أدرك هذا التحرك بثاقب بصيرته؛ لذلك قام بعمل استباقي وأرسل سرية تضم مئتا مقاتل بقيادة أمير المؤمنين (ع) إلى منطقة طيء قبل وقعة تبوك بسنة تقريباً، فاقتحموا المنطقة وفتحوها قبل أن تكون نقطة تقدم للأعداء. عندها جاء أمير المؤمنين (ع) بيوتاتهم فجراً، عديُّ بن حاتم استطاع أن الفرار وبعض عائلته وانطلقوا إلى الشام وبقي فيها مدة. استطاع أمير المؤمنين (ع) أن يسيطر على كل المنطقة، غنم الغنائم، أخذ سبياً وكان من جملتهم سفَّانة بنت حاتم الطائي -أختُ عدي- وكانت امرأة متكلمة وجميلة وذات شخصية ومقام رفيع، فساق الغنائم والسبايا وجاء بهم جميعاً إلى المدينة.
يظهر أن النبي (ص) كان قد عين مكاناً للسبايا -سبايا الكفار اللواتي يؤتى بهن- في حجرة قريبة من المسجد، إلى أن يرى فيهم أمراً، ولمّا جيء بالغنائم من الإبل والشاة وما شابه قُسمت، ولكن بقيت النساء -كسفانة وأمثالها-، اللواتي يعتبرن من الأسرة الحاكمة، فعدي الطائي كان حاكماً لطيء ورئيس قومه الديني والزمني، والنبي (ص) في كل سيرته كان يحرص على ألا يذل أحداً إلا إذا كان ذلك الطرف هو المعتدي، فالكفار المعاندين التعامل معهم يختلف.