قضايا الآيات المكية :
هذه الآيات المباركة , يستفيد منها علماء الفقه أن عدداً من التشريعات نزلت في مكة ؛ لان هناك فكرة مشهورة وهي أن المرحلة المكية كانت تشهد تنزل الآيات التي تتناول أصول العقيدة العامة كقضايا الجزاء والثواب باعتبار الدعوة كانت باتجاه الإيمان . لما انتقل النبي – صلى الله عليه واله – وأصحابه إلى المدينة , واستقر المجتمع الإسلامي وأصبح عدد المسلمين معتدا به , بدأت التشريعات وتفاصيلها مثل العبادات , المعاملات , قضايا الأخلاق وما شابه ذلك .
هاتن الآيتان من الآيات التي يستفيد منها العلماء خصوصاً الذين يبحثون في تاريخ التشريع الاسلامي , أن عدداً من التشريعات الاسلامية نزلت آياتها في مكة المكرمة , كما هو واضح في قوله تعالى : ( ألا تشركوا به شيئاً ) أنها قضية عقيدية , لكن ( بالوالدين إحسانا ) قضية البر بالوالدين هذا تشريع من التشريعات قضية فقهية وأخلاقية وليس عقيدية , وأيضا في قوله تعالى :( لا تقتلوا أولادكم من إملاق ) حرمة قتل الأولاد ، ومثل ذلك ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) . هذه تشريعات اَي محرمات وواجبات , أحكام أخلاقية نزلت في مكة المكرمة .
فيقول أسعد بن زرارة لما سمعت هذا الكلام وعقلته , قلت له : أمدد يدك أبايعك ،أشهد أن لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله . يقول ثم رجعت إلى المدينة , وتحدثت مع من أعرف , قرر عدد منهم الذهاب إلى رسول الله في مكة - وتسمى بيعة العقبة ـ وهم اثنا عشر شخصا ممن أسلم وآمن برسول الله , بايعوه على الثبات على الإيمان والنصرة والمعونة .
اختيار النبي لمصعب بن عمير :
قال أسعد بن زرارة لرسول الله : يا رسول الله لو بعثت إلينا رجلاً يعلمنا القرآن والأحكام , ويصلي بِنَا ويدعو من كان في حينا .
طلب أسعد بن زرارة أن يبعث النبي معهم رجلا أولا : يعلمهم القرآن والأحكام , ثانيا: : يقيم الصلاة عندهم ثالثاً : يدعو من في المدينة إلى الإسلام بلسانه , بمعرفته القرآنية .
طبعاً قضية التبليغ ليست أمراً متيسراً لكل الناس , قد ترى شخص عنده إمكانيات مادية قوية , كمحطة إذاعة أو قناة فضائية ويفسد أكثر مما يصلح , وقد تجد شخص آخر عنده قدرة على التبليغ والدعوة والاقناع , عنده لسان يُذَكّر الناس , يستقطبهم , يقول لهم حسناً , يدعوهم الى محاسن الكلم فيؤثر فيهم .
تحتاج بعض الامور إلى تدرج , ومستوى أخلاقي رفيع , أيضا اُسلوب في الدعوة والخطاب ، هذه مؤهلات خاصة , فليس كل من حمل علماً قادر على الدعوة والتبليغ .
فاختار الرسول صلى الله عليه وآله ، مصعبا بن عُمير الذي كان قد رجع من الحبشة .
مصعب بن عمير داعية ومبلغ في المدينة :
اختيار النبي - صلى الله عليه واله وسلم - لهذا الشاب ينبئ عن معرفة به , وأنه صالح لهذه المهمة وتبين بالفعل أنه كان كفؤا لهذه المسؤولية . عندما ذهب مصعب بن عُمير إلى المدينة نزل ضيفاً على أسعد بن زرارة , وأقام أول صلاة جمعة في المدينة صلى باثني عشر شخصًا , هم فقط كل المسلمين في المدينة .
هذه ليست صلاة عامة على العلن ولكن كان في مضيف أسعد بن زرارة في حيهم ، فأول صلاة جمعة صلاها كما هو معروف ركعتين وخطب قبلها خطبتين تقومان مقام الركعتين الأخيرتين .
هذا يُبين مقدار وأهمية الخطبة فكل خطبة تعادل ركعة فالخطبة تحتوي على مضمون عقائدي ومضمون أخلاقي , هي مكان ركعة للإمام والمأمومين – نتساءل هنا هل ان بعض الخطب التي ليس فيها غير الشتائم والتحريض والكلام غير النافع .. هل تكون في مقام ركعة من الركعات الصلاتية ؟
بدأ يصلي بالمسلمين و يُقرئ القرآن فهو قارئ وُمقرئ [٥].
مصعب كان قارئًا مجيدًا , تلاوته تلاوة عذبة , وهذا منصوص في سيرته , وصوته كان صوتًا مؤثرًا بالإضافة إلى إحاطته ومعرفته بآيات القرآن والقراءة الصحيحة التامة .