المثال الثاني: تحدث القرآن الكريم عن ثعلبة بن حاطب([١٩]) صاحب آية: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}([٢٠]).
فالقرآن يصف هذا بالنفاق على أثر الكذب على رسول الله !! لكن هذا بحسب هذه النظرية هو من أفضل البشر ويدخل الجنة قطعاً وهو عادلٌ حتماً ولا يمكن انتقاده ولا انتقاصه.
المثال الثالث: عبدالله بن سعد بن أبي سرح الذي نزل فيه قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}([٢١])، وقضيته مشهورة ومفصلة في كتب التفاسير([٢٢]).
الوقفة الثالثة: أن نظرية عدالة الصحابة مخالفة للسنة النبوية:
وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففيها ما يخالف هذه النظرية كثيرا، أشهرها الحديث المروي في صحيح البخاري [ت: ٢٥٦هـ] >وان أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقال أنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم<([٢٣]).
وفي رواية أخرى: > إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل([٢٤]) النعم <([٢٥]).
فماذا تصنع نظرية عدالة الصحابة جميعًا، وأنهم أفضل البشر طراً وأنهم من أهل الجنة قطعًا .
الوقفة الرابعة: أن نظرية عدالة الصحابة مخالفة لسيرة الصحابة أنفسهم:
لم يتعامل الصحابة والخلفاء مع بعضهم على أساس هذه النظرية، فمما يروى عن عائشة أنها قالت: > جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، قالت: فغمني فقلت تتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فأحرقها وقال: خشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك<([٢٦]).
فإن المبرر الذي دفع الخليفة الأول بحرق الأحاديث هو خشيته من أن تقع في أيدي غير أمينة فيكون الإثم عليه !!
لو كان الصحابة كلهم عدولاً وصادقين، فما سبب خوف الخليفة من أن يكون من حدثه غير صادق؟
وهكذا ما ذكر في أسباب منع الخليفة الثاني الصحابة من الخروج من المدينة فقد ذكر أنهم قد ينتشرون في البلدان فيحدثون بأحاديث لا نعلم صحيحها من سقيمها؟
فهل هذه أسباب واقعية أو هناك أسباب أخرى ليس محلها بحثنا الآن([٢٧])..
خلاصة القول: أن الخلفاء والصحابة أنفسهم لم يكونوا يعتقدون بأن كل صحابي هو عادل وصادق، وإنما كانوا يحتملون أن بعضهم لا يقول الصدق، ويغير ما سمع ولذلك تُـحرق الأحاديث خوفاً من هذا الأمر.
إضافة إلى ذلك ما جرى بينهم من اختلاف أدى إلى سب بعضهم البعض([٢٨])، حتى نقل أن سبب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تسبّوا أصحابي<([٢٩])، هو ما جرى بين الصحابة من مواقف مختلفة مثل السب واللعن والشتم وذلك في حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم([٣٠]) حتى قال: >لا تسبّوا أصحابي<.
إن سباب المسلم حرام عند الجميع، فكيف يتفق حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: >سباب المسلم فسوق...<([٣١])، مع عدالة الصحابة أجمعين وفضيلتهم على كل البشر.
لو فرضنا وجود تزكية فإنها في أساليب الخطاب العربي هي للعموم لا يعني التزكية لكل فردٍ فرد، فعندما نقول أن الشعوب الغربية منظمة لا يقصد كل فرد فيهم وأنه لا يوجد مخالفة للنظام أصلا !
لذلك قال بعض الباحثين المحدَثين أن القول بمثل هذه النظرية يعني قبول التناقض، وأن تتعايش مع التناقض أو أن تسكت، أو أن تطرح سؤالاً ولا تجد له جواباً.