عدالة الصحابة أدلتها ومناقشتها

عدالة الصحابة أدلتها ومناقشتها
00:00 --:--

وعلى ضوء هذا الرأي فإن علم الصحابي ليس كبقية البشر علم مكتسب، بل علمهم من أصل الخلقة، مضافًا إلى >ما فُطروا عليه من العقول الرصينة وما منّ الله به عليهم من إفاضة نور النبوة العاصم من الخطأ في الفكر..<.

ثانيا: أين كان هؤلاء الصحابة المنتخبين من الله، أومن جعل في أصل خلقتهم العلم والمعرفة، وإن عقولهم استثنائية صب عليها النبي نور النبوة، أين كانوا قبل إيمانهم برسول الله بنصف ساعة، حيث يتمرغ بعضهم في التراب سجودًا للأصنام، أو يصنع صنمًا من التمر بيده ثم إذا جاع أكله... فأين كانت هذه العقول الرصينة؟

فهذه الأدلة لا تصمد عند عرضها على العقل السليم.

٢/ إن الله عدلهم وفضلهم:

وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ}([١١]).

وبقوله تعالى: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}([١٢])

وبناء على ذلك فإن الله عدلهم وطهرهم وزكاهم فلا يحتاجون إلى توثيق من أحد.

والجواب عنه يحتاج إلى وقفات:

الوقفة الأولى: ما ذكره العلماء من أن القران الكريم في آياته المادحة لمن كان مع رسول الله فيها تخصيص وتجزئةٍ واستثناء ..

يقول العلماء إن القرآن الكريم عندما تحدث عن عامة من كان مع رسول الله يذيلها بالتبعيض كما في هذه الآية المباركة: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ} إلى أن يقول: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }([١٣]).

فلو كان الأجر والمغفرة عام لكل هؤلاء ما كان ينبغي أن يستثني بعض منهم بقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} كان عليه أن يقول وعدهم الله مغفرةً وأجراً عظيماً.

وكذا في قوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} حيث يقول في مقدمتها: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}([١٤]).

فنظرية عدالة الصحابة لو كانت صحيحة، أو أن الله زكاهم وعدلهم فلا معنى لقوله: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ }، وهذا يعني أن الصحبة تحتاج إلى استقامة.

وكما يقول الإمام زين العابدين عليه السلام في دعائه: >اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحابة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره<([١٥])، فالذين أحسنوا الصحبة واستمروا على هذا المنهاج لهم المغفرة والرضوان، أما ذاك الذي لم يصنع هذا ونكث فإنما ينكث على نفسه.

الوقفة الثانية: أن نظرية عدالة الصحابة مخالفة للقرآن:

لقد ذكر القرآن الكريم قصص بعضهم ونسب الفسق إليه، كما في قضية الوليد بن عقبة حيث اعتبره القرآن فاسقًا كما في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}([١٦]).

وقوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ}([١٧]).

فالوليد بن عقبة بناء على هذه النظرية لا أثر للطعن فيه، يقول ابن حجر العسقلاني - وهو من أعاظم مدرسة الخلفاء- في ما يشمل هذا المورد : >إذا ثبتت صحبته لم يؤثر الطعن فيه<([١٨]).

الوليد بن عقبة قد ثبتت صحبته وله ذنوبٌ أمرها إلى الله والسكوت عنها أجدى!! هذا مع أن الذنوب لا سيما الكبائر وقد ثبت عليه بعضها قادح في العدالة وموجب لخلافها.

وبناء على ذلك فإن الذنوب التي تؤثر في كل البشر فتسقط عدالتهم، لا تفعل فعلها حين تصل إلى بعض الصحابة، هذا هو المثال الأول.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة