عدالة الصحابة تطورها التاريخي ومبرراتها

عدالة الصحابة تطورها التاريخي ومبرراتها
00:00 --:--

إن الأمثلة على تشريع الصحابة كثيرة نذكر نموذج([١٣]) منها:

أتم بعض الصحابة الصلاة في السفر بين مكة وعرفات مع أن النبي قصر في السفر والخليفة الأول والثاني قصروا، حتى وصلت النوبة إلى الخليفة الثالث فتم الصلاة، يقول عبد الرحمن بن يزيد: صلى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر رضي الله عنه بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان<([١٤]).

وهذا القول يخالف صراحة كتاب الله الذي يقول فيه: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ }([١٥]).

ففعل الصحابي عندهم حجة شرعية ودليل من الأحكام ولو لم يسنده للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الأسباب والدوافع:

يمكن تلخيص الأسباب التي دعت هذه المدرسة لفرض نظرية عدالة الصحابة في التالي:

١/ الحالة السياسية والتوظيف الشخصي

لقد قام معاوية بن أبي سفيان باستثمار نظرية عدالة الصحابة سياسيا وتوظيفها توظيفًا يعزز من مكانته ويثبت أركان دولته.

لقد تقلد الخليفة الأول ببيعة السقيفة وجاء الخليفة الثاني بعد السابق والثالث بالشورى والرابع استفتاء عام.

كان معاوية يعلم بأنه أقل رتبة ومنزلة من الصحابة([١٦])؛ لأنه من الطلقاء، ومصطلح الطلقاء في عرف المسلمين آنذاك هو في الدرجة الأدنى، فلا يقاس بالمهاجرين أو الأنصار أو حالة السابقين الأولين أو الذين حضروا أحدًا والخندق وبدر والسابقين لدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهم طلقاء ارغموا على دعوة الرسول وكانوا أسارى فقال لهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في فتح مكة [٨هـ] : اذهبوا فأنتم الطلقاء.

فكانت نظرية عدالة الصحابة فتحا عظيما لمعاوية خصوصا وأنها تستبطن أن كل من رأى رسول الله عادل، وكلهم من أهل الجنة، وجميعهم متساوون أطياب.

إذن فلا فرق بين معاوية وعلي وبين سلمان ومعاوية وبين معاوية وعمار جميعهم له الصلاحية في الخلافة، وإن انتزعها بحد السيف([١٧])، فمن بيده القوة وأصبح مؤهلا صار حاكمًا.

فشرعية معاوية على الحكم الإسلامي كانت تحتاج لهذه النظرية فاستفاد منها أي فائدة، بحيث ألغت كافة الفروقات بين الصحابة فلا يوجد سابقين للإسلام، ولا الذين أوو ونصروا، فالجميع تحت سقف واحد.

٢/ منع تدوين وتناقل حديث رسول الله

لعل من أهم المبررات التي ساهمت في انعقاد نطفة نظرية عدالة الصحابة هو منع تدوين وتناقل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فترة الخليفة الأول والثاني والثالث بحجة عدم انشغال المسلمين به عن القرآن الكريم، وحتى لا يختلط القرآن بغيره.

لقد ظل منع حركة تدوين الحديث إلى تسعين سنة، حتى استلم مقاليد الحكم الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز عام [٩٩هـ] فطلب من محمد بن مسلم بن شهاب الزهري [٥٨هـ - ١٢٤هـ] أحد العلماء المنتمين إلى مدرسة الخلفاء بتدوين وجمع الأحاديث.

فمن السنة الحادية عشر للهجرة أغلق تدوين الحديث حتى سنة الثمانين هجرية، إذ قتل من الصحابة من قتل وتوفي من توفي، ولم يتبق إلا أعداد قليلة.

لذا فإن أبرز ما يشكل على التدوين في تلك الفترة [٩٩هـ] هو أسانيد تلك الروايات المروية عن النبي صلى الله عليه وآله، ولعل هذا أحد المطاعن الكبرى التي قالها المستشرقون في حق الحديث في مدرسة الخلفاء وهي مسألة الأسانيد.

وهذه المعضلة منتفية عن مدرسة أهل البيت عليه السلام، فمنذ العهد النبوي كانت فاطمة عليها السلام تدون ما يقوله رسول الله من شرح لآيات القرآن الكريم، وهو ما عرف بمصحف فاطمة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة