تطور المأتم الحسيني عبر العصور

بن حنبل في مسنده، في الجزء الأول، يقول: بينما كان علي بن أبي طالب، متجها إلى صفين، وكان معه عبدالله بن نجي الحضرمي، يقول: فلما حاذ علي (ع) نينوى، كربلاء، اغرورقت عيناه بالدموع، والتفت إلى جهة كربلاء، وقال: اصبر أبا عبدالله، اصبر عبدالله، بشط الفرات. فسأله عبدالله بن نجي: وما ذاك، فأخبره بنفس الخبر الذي تقدم عن رسول الله، وماذا تحدث مع جبرائيل، وكلام أم سلمة معه. ولا شك أن مثل هذا المحيط العاطفي، كان يؤدي إلى تأثر من حضر مع أمير المؤمنين (ع) بقضية الحسين، والجانب العاطفي والمأساوي فيها. فإذن، هناك بدايات مبكرة لقضية المأتم، والحديث البكائي، والرثائي، والجانب العاطفي، سواء من قبل رسول (ص)، أو من قبل أمير المؤمنين، وذلك قبل حدوث الواقعة بمدة طويلة. وبعدما وقعت واقعة

كربلاء، سنة ٦١، تولى أئمة أهل البيت (ع) أمر المأتم الحسيني بأشكال مختلفة. فالإمام السجاد نفسه كان يستدعي باستمرار الصور العاطفية من كربلاء، فإذا ذهب إلى السوق، ورأى غريبا يستدعي إلى الذهن صورة غربة الحسين (ع)، ويتحدث في هذا الجانب. إذا رأى أحدا يعرض الماء على أحد، بشرا كان أو حيوانا، استدعى إلى الذهن والذاكرة، صورة عطش الحسين سلام الله عليه، وهكذا تحول الإمام زين العابدين (ع) إلى قائم بهذا الجانب، وإلى مثير للقضية الحسينية في جانبها العاطفي والمأساوي. وهكذا استمر نفس الدور في أيام الإمام الباقر، وفي أيام الإمام الصادق، فصار عندنا شعراء متخصصون ينشدون الأشعار وينظمونها في القضية الحسينية، يذكرون: الكميت بن زيد الأسدي، رضوان الله عليه، سيد إسماعيل الحميري، سفيان بن مصعب العبدي، وآخرون، هؤلاء كانوا ينشئون

وينظمون الأشعار، خصوصا في رثاء الحسين (ع). بل أكثر من هذا، أصبح عندنا طبقات شبه متخصصة. مثلا: القصاص. قاص يأتي ويقص تفصيل الواقعة كما جرت في كربلاء، كيف بدأت؟ إلى أين انتهت؟ من الذي برز؟ من الذي بارز؟ من الذي قتل؟ من الذي قُتل؟ كيف استشهد هؤلاء؟ فقد تخصص عدد من الناس في إنشاء القصص الكربلائية. وقسم آخر في الندبة، مثل طريقة الملا عندنا، أو الريزخون، إن صح التعبير، أو في بعض الفترات من كان يطلق عليهم: المداحين. يعني: هذا فقط كان يحفظ شعرا رثائيا ويأتي لكي ينشده في المجامع والبيوت، وفي هذه الأماكن، بل حتى عند قبر الحسين (ع)، كما ينقل شيخنا الحر العاملي، أعلى الله مقامه، في رواية، ينقلها هناك، فيقول: إن رجلا جاء إلى أبي عبدالله الصادق

(ع)، وقال: لقد كنت في كربلاء، في النصف من شعبان، فرأيت الناس ما بين قاص يقص، ونادب يندب، ومنشد ينشد، يعني: أن هؤلاء مثل الحلقات، قسم: يريد أن يتعرف على الواقعة من خلال الاستماع إلى قصتها، وقسم: يريد أن يبكي فيسمع إلى النادب أو منشء الأشعار. فترحم الإمام الصادق عليهم ودعا لهم بالخير والمغفرة، وأن جزاءهم على رسول الله (ص). جعلنا الله وإياكم جميعا ممن يثيبهم الله على مواساة الأئمة في الحسين. استمر مثل هذا الأمر إلى أيام الإمام الكاظم والرضا. والإمام الرضا استفاد في قصر الخلافة؛ لكي يستنشد الشعراء في رثاء الحسين (ع)، وظهر رثاء الحسين في أيامه بشكل واضح، واستمر مثل هذا الأمر إلى زمان الغيبة الصغرى، وما قبلها للإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه. ففي زمان الإمام

الحجة، حدث تطور جديد، وهو أن نفسه صاحب العصر والزمان يؤثر عنه نصان مفصلان، فيما يرتبط بقضية كربلاء. النص الأول: الزيارة المعروفة بزيارة الناحية المقدسة. وهناك نقاش بين العلماء: هل بالفعل الإمام صاحب العصر والزمان هو الذي أنشأها أم لا. فالذين يذهبون إلى أنه نعم: هذا من كلام صاحب العصر والزمان، يعلقون عليها؛ ولذلك يسمونها: بزيارة الناحية المقدسة، أي زيارة صاحب العصر والزمان (عج) لجده الحسين. وهذه الزيارة تحتوي على تفصيل واضح في جانبي المعاني وفي جانب الرثاء، والمأساة الحسينية بشكل مفصل. نص قوي وجميل، فيه معان قوية، والذي يذهب من العلماء إلى أن هذه الزيارة مروية عن الإمام الحجة، يسميها: بزيارة الناحية المقدسة. يعني زيارة الحجة لجده الحسين.قسم آخر من العلماء يتأملون في نسبة هذه الزيارة إلى الإمام الحجة،

مشاركة عبر:
الملفات المرفقة
تطور المأتم الحسيني عبر العصور
WMA 0.00 MB 4,870
تحميل الملف
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة