قد لا يكون مطلوباً، من الإنسان أن يحفظ الكلماتْ ولكنْ أريد أن أشير لك إلى أنه حتى بالنسبة لمن هم خارج الدائرة هو كان مؤثراً، و قادراً على الإقناع في اعتدال كلامه، و في نزاهة حديثه و اجتنابه عن الكلمات الجارحة، و هذا يجعل آفاقاً واسعةً من المسلمين فضلاً عن الشيعة تتأثر به و تلجأ إليه .
وحدثني أحد المشايخ الثقاة إذ يقول : التقيت ذات مرّة ببعضْ القُضاة من الدائرة الأخرى في بلادنا الرسميّة. فقال ذلك القاضي : أنا أحرص على استماع الشيخ الوائليْ لمَا فيه من بنية علمية و إن كنا نختلف معه فيْ أفكاره ولكن بناء هذه المُحاضرة بناء علميْ نعم أقول ذلك . و أيضاً يقول القاضي : لا يريحني الكلام الذي في آخر المحاضرة لأني لا أفهم ماذا يقول . يقصد بذلك الرثاء و النعي الحسيني وهو لا يعلم أنّ هذا الذي بالأخير هو سبّبَ له بأن يكون في المُقدمة وهو الذي أعطى لهذا التألقْ و التوهج.
فالمرحُوم الوائلي كان مؤثراً و أصبَحت له مَساحة كبيرة جداً. التقنية الحديثة أيضاً أفادت في هذا الأمر، و رُبما كان بعض الخطباء السابقين كالشيخْ كاظمْ سبتي أو الشيخ محمد علي اليعقوبي أو نظراء هؤلاء كانوا بدرجات عالية و نحن لا نعلم بهم و لم نسمعهم و رُبما لو سمعناهم لتغير رأينا في هذا الأمر، و لكن انتفع الشيخ الوائلي بحضُوره في زمن أمكن فيه الاحتفاظ بتراثه، و الآن آلاف الأشرطة المُسجلة له موجودة و هي متداولة في أكثر من موقع و مكان و يمكن الحصول عليها باستمرار وهذا من حفظ العلم .
كان الرجل أديباً، قوي التأثير ، متألقاً ، ولاسيما أنني لاحظت أنّه إذا تحَدث عن أمير المؤمنين عليه السلام في ليالي وفاة الإمام أمير المؤمنين أستشعر أحياناً و كأن علياً عليه السلام أسلف هذا الرجل شيئاً من بلاغته أو أعطاه شيئاً من فصاحته. تجد هذا الخطيب مملوء بشخصية أمير المؤمنين عليه السلام ، ويتوهج في الحَديث عن هذا الإمام العظيم صلوات الله و سلامه عليه وكأنه يستضيء من نوره ، ويهتدي بضيائه و كأنه قد أخذ من علمه و منْ فصَاحته و بلاغته و هكذا في الأيام الاستثنائية كيوم عاشوراء عندما يتحَدث عن الحُسين صلوات الله و سلامه عليه، هناك كأنه يجعل مكان العالم لصالح ذلك الشاعر المتوهج المتدفق عاطفةً و حماساً بالإمام الحسين و لقضيّته سلام الله عليه وله شعر في هذا رائق مثل قصيدته المَعروفة (حديث الجراح) :
- الجراحات والدم المطلولُ أَينعت فالزمان مِنها خميلُ
- ومضت تُنشيء الفتوح وبعض الدّم فيما يُعطيه فتحٌ جليلُ
- و الدّم الحر ماردٌ يُنبئ الأحرار و الثائرين هذا السبيلُ
- و حديث الجراح مجدٌ و أسمى سير المجدِ ما روتهُ النصولُ
... إلى أن يقول :
- أرجفوا أنّك القتيل المُدمى أوَمَن يُنشىء الحياة قتيلُ
- كذبوا ليس يقتل المبدأ الحرّ ولا يخدع النُهى التضليلُ
- كذبوا لن يموت رأيٌ لنور الشمس من بعض نوره تعليلُ
- كذبوا كل ومضة من سيوف الحق في فاحم الدُّجى قنديلُ
- كلُّ عرق فروه لهو بوجه الظُّلم و البغي صارمٌ مسلولُ
- و يموت الرسول جسماً و لكن في الرسالات لم يموت الرسولُ
ديوان الوائلي (قدّس سره) ص ١١٩.