شخصيّة الفقيه زينْ الدينْ ونُبذه عنْ دراسته.
فكانتْ بيئة هذا الرجلْ ضمنْ هذه البيئة في المدرسة الإخبارية ولكنّه انفتحَ بشكلْ كبيرْ عَلى المَدرسة الأصُولية وانتفَع من عَلمائها وفُقهائهَا وأساتذتها الكبارْ، فدَرس عَلى يدْ الشيخ محمد حسين الأصفهاني الذيْ يكونْ أسْتاذ المَراجع صَاحب كتاب نهاية الدرايَة في الكفايَة والفيلسوفْ المَعروف، فدَرَس على يدْ الشيخ ضياء الدين العراقي - رحمة الله عليه - هذا الفقيه الكبيرْ صَاحب شرْح التبصرة وغيرها، ودرس شيئاً على يدْ المُحقق النائيني ثمّ دَرس أيضاً على يدْ تلاميذه، ثمّ دَرَس على يد السيّد مُحسن الحكيم رَحمة الله عليه، وأيضاً على يدْ السيد أبيْ القاسمْ الخوئي رَحمة الله عليّه وعَلى أمْثالهم وأقرَانهم بلْ درَس أيضاً عَلى منْ كانت بيئته إخبارية ولكنّه استفادَ منْ المَدرسة الأصُولية كالمرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد طاهر الخاقاني إذ كان هذا أيضاً مرجعاً للتقليدْ وكان عَالما كبيراً جداً وله بُحوث مَطبوعة وهو أستاذ الشيخ محمد أمين زين الدين - رحمة الله عليه -. فهكذا دَرَس إلى أن بلغ مَراتب عُليا من العلمْ والمعْرفة وأصْبح مَرجع تقليدْ و يُرجع إليه جمعٌ غفيرْ من الناس في البَحرين، وعندنا في مَنطقة سيهَات وفي قرى المُحيط. وكانَ يرْجعْ إلى التوجه الإخباريْ إلى الشيخ محمد أمين زين الدين - رحمة الله عليه - فيْ الكويتْ أيضاً ورجَع إليه أتباعْ هذه المَدرسة وهُو كانَ محلاً لاحترام كبيرْ عند مُختلف الفرَق لفضَائله ومَزاياه حَتى إنّ أحدْ مراجع الدينْ الفعليينْ مثلْ آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم كانْ لديه كتابْ وإن كان قليلُ الصّفحات إلا إنّه عَظيم الفائدة باسم الأصُوليّة والإخباريّة إذْ أنّه عملَ على فرْقة واحدَة بينَ فيها أنّ الاخْتلافاتْ بينَ المَدرستينْ هيَ اختلافاتٌ طفيفَة وإنمّا تكونْ فيْ بعضْ المسائل التخصصيّة وفي بعضْ مَناهج الاستنباط وأوردَ على ذلك مثالاً على عَدم الفرْق، وكذلكْ أورَد مثالاً على وجُود المُجتهد الشيخ محمد أمين زينْ الدينْ فيْ ذلك الوَقت كان لا يزالْ على قيدْ الحَياة إذْ كان موجوداً في النّجف وأننا لا نرَى أيّ فرق بينه وبينَ سَائر العُلماء في قدرته عَلى الاسْتنباطْ وفيْ اسْتعماله لأدواتْ الاجْتهَاد وهُو فيْ نفسْ الوَقت ضمْن هَذه البيئة الإخباريّة فكأنّه كانْ – أيّ هذا الشيخْ زينُ الدينْ – جَامعاً للمَدرَستينْ ومُنسَجمَاً معْ الطريقتينْ ومُحترماً فيْ الفريقينْ إذْ بلغَ مَرْتبة مُقلْد فيْ هَذه المَناطق.
صفَاتْ الفَقيه زينُ الدّينْ رحمَه الله.
منْ صفاتْ هذا الشيخْ الجَليل المَرحُومْ الذي تميّزَ بها هيَ صفَاتْ مُتعدَدة وكثيرَة جداً منهَا أولاً أنّه جَمَع بينْ القدَاسَة الكبيرَة وبَينْ التّوجُه إلى الشبابْ والجيلْ الحَديث وهذا عَادةً قليلْ، أيّ بمَعنى أنّه عادة كُلمَا كانْ الإنسانْ مُقدّس الشخصيّة، يُحبْ أنْ يكونْ معَ الكبارْ والزُّهاد والعبّاد والشُيوُخ يكونْ مُتوجه فيْ عينْ قداسَته وارْتفاع كمَالاته المَعنوية وزهادته في عينْ ذلك إذْ يتوجّه إلى الجيلْ الشابْ و يتحَسسْ مَشاكلهُم ليعرفْ نفسيَاتهم، و يكتبْ إليهم و يخاطبهم بلغتهم فهذا قليل ما نجدُه. بالعَادة يَكونْ منْ عندَهُمْ حَالة حداثيّة، هم الذين يَتوجهون إلى الشبابْ أيّ العادة منْ يكونْ لديّهمْ رُوح انفتاح ومعاَصرة هم عادةً منْ يتوجهون إلى الشباب! أما شخصٌ مقدسْ بلْ غاية القداسة وكامل الأخلاق من الدرجة العالية إذْ أنّه عابدٌ من الطرازْ
الأولْ فالغالب أنّهُ لا يتوجّه إلى هذه الجهَة، و لكنّ الشيخ محمد أمين زين الدين - رحمة الله عليه - كان يجمع بين هاتين الصفتين ولذلك توجه إلى الشباب وخاطبهم، تحسس مشاكلهم، كتب إليهم، تفاعل معهم، و تعقب قضاياهم حتى أطلق عليه بعض مُعاصريه أنّه (مُربي الجيل الشاب). أنَا أتذكرْ شخصياً أنّه عندَما كنتْ فيْ عمر أربعة عشرَ سنة حيثُ جاء والدي المَرحومْ - رحمَة الله عليّه - لنا بكتاب ( إلى الطليعَة المُؤمنَة ) من كتبْ الشيخ محمد أمين زين الدين، وقدْ لا يُقبلْ الإنسَان كثيراً فيْ ذلك الوَقتْ على الكتب الدينيّة لأنّ لغَتهَا قدْ تكونْ لغة خاصّة وطريقَتها تكونْ مُعينة، و لكنّي أذكُرعندَما بدأتْ بقرَاءة هذا الكتابْ قدْ جَذبَنيْ العُنوانْ إذْ كانْ عنواناً مُعاصراً، ثم بعد ذلك شدّنيْ