يوميات الإمام الحسين في كربلاء

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

ونشطت سوق الدعايات، فبعد أن دعا الحسين﵇ عمر بن سعد للحديث معه بين الصفين وكان كارها لذلك لأنه علم أنه سيقوم بنصحه وتذكيره، لكن لم يجد بُداً من لقاء الإمام﵇، ولعله بعد ذلك نقل صورة عن اللقاء لكل جماعة بحسب ما تهواه، ولذلك فإن ابن الأثير في الكامل275، ينقل بعنوان «وتحدّث الناس أنّ الحسين قال لعمر بن سعد.. كذا وكذا» وبشكل أكثر صراحة قال: «وتحدّث الناس بذلك ولم يسمعوه» لا سيما عندما نقل هؤلاء الناس الذين لم يسمعوا!، أن الحسين﵇ خيرهم أن يقبلوا منه أحد ثلاث، أن يرجع إلى مكانه الأول أو أن يضع يده في يد يزيد فيرى في الحسين رأيه، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور.

هذا بالرغم من أنه نقل ما روي عن عقبة بن سمعان276 أنّه قال: صحبت الحسين من المدينة إلى مكّة ومن مكّة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل، وسمعت جميع مخاطباته للناس إلى يوم مقتله، فو اللَّه ما أعطاهم ما يتذاكر الناس أنّه يضع يده في يد يزيد، ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين..277

وأظن -والله العالم- أن عمر بن سعد أراد أن يصنع ما يشبه الرأي العام والضغط الشعبي من جهة المقاتلين لتغيير القرار السياسي بحتمية المعركة العسكرية، فمن جهة «سرّب» حلولاً مقترحة يمكن أن تلامس رغبة الكثير من المقاتلين الذين لا مصلحة واضحة لهم في القتال بل قد يفقدون حياتهم في المعركة، ومن جهة أخرى أرسل رسالة تصالحية لابن زياد في الكوفة هذا نصها «أمّا بعد فإنّ اللَّه أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وقد أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الّذي أقبل منه أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من الثغور شئنا، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، وفي هذا لكم رضى وللأمّة صلاح».278

وبالرغم من أن ابن الأثير ذكر في كتابه أنه: لمّا قرأ ابن زياد الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره، مشفق على قومه، نعم قد قبلت. إلا أنني أستبعد جداً أن يقول قبلت وينهي الموضوع ولا أشك أن الأمر هو من إضافات الرواة أو المؤلف، ولا سيما مع وجود اتجاه عند بعض المؤرخين يحيل مسؤولية الجريمة عن الرأس الأصلي إلى الحاشية، فهم في موضوع يزيد ومسؤوليته يحيلونها إلى ابن زياد وأن يزيد لم يكن راضيًا، وفي موضوع ابن زياد يحيلونها إلى شمر بن ذي الجوشن وهكذا.

لذلك فإن صاحب الكامل، قال بعد هذا فوراً: «فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك؟ واللَّه لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكوننّ أولى بالقوّة والعزّة ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنّها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت كنت وليّ العقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك، واللَّه لقد بلغني أن الحسين وعمر يتحدّثان عامّة اللّيل بين العسكرين».