مع الإمام الحسين من المدينة إلى مكة
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ * قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾174.
تمثل الإمام الحسين﵇، بهذه الآية المباركة عندما كان في طريق الخروج من المدينة، مستدعيا في ذلك حدثاً كان قد جرى على نبي الله موسى، على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام.
نحن نعلم أن التمثل بقولٍ يقتضي شيئاً من المشابهة بين الموفقين، وإلا كان خلاف الحكمة. مثلاً فلو كان يقرأ أثناء خروجه، آية من آيات عذاب النار، لكان محل غرابة، إذ ما هي المشابهة والمشاكلة بين هذه الحركة وبين آية العذاب أو النار.
وما يظهر لنا هو أن هناك تشابهاً في أصل هذه الرحلة، وفي كيفيتها، وفي أطرافها، ففي الأطراف هناك طرف ظالم جائر، وطرف مؤمن، رسالي، موحد. في زمان موسى، كان فرعون يمثل السلطة الظالمة الجاحدة، وموسى يمثل القيادة الإلهية. في زمان الإمام الحسين﵇، كان الإمام يمثل القيادة الإلهية الربانية، ويزيد ابن معاوية القيادة الظالمة والرئاسة الجائرة، هذا بخصوص التشابه في أطراف القضية.
في أصل الحركة، لم تكن نزهة أو لغرض تجاري أو مادي، وإنما كانت ضمن حركة تحرير هذا الشعب، والنهوض في وجه الظالم بأمر الله عز وجل.
وهذا الأمر في زمان موسى كان حاصلاً. فلم يكن قد خرج للتنزه، وإنما خرج ضمن مسيرة تحرير بني إسرائيل، ودعوته إلى الله. وهنا كرر الحسين نفس الدور، فلم يكن خارجاً في نزهة من المدينة، وإنما قال: «إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصلاح».
تثبت، الآية المباركة أيضاً كيفية مشتركة، وهي: الخوف والترقب ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، فإنه يفترض أن تكون هاتان الحالتان موجودتين في الموضعين.
وهنا يثار سؤال: هل كان الحسين خائفا؟ وكيف يتفق هذا مع ما نعرفه من شجاعة الحسين وقوة قلبه؟ وهكذا الحال بالنسبة إلى نبي الله موسى؟
إحدى الإجابات على هذا السؤال هي: إن الخوف أحد الغرائز الموجودة في النفس البشرية الطبيعية. فأية نفس بشرية، سواء كانت لنبي أو وصي أو إنسان عادي، تحتوي على مجموعة غرائز، من فرح، وغضب، وحزن، وخوف، ورجاء، وهكذا. ووجود هذه الغرائز وما يتبعها من الصفات حالة طبيعية، وليست مذمومة، والمذموم منها: هو ترتيب الأثر الخاطئ على هذه الغرائز.
ففي غريزة الفرح، عندما يخرج الإنسان إلى حالة البطر، فيفقد السيطرة على نفسه آنئذ يتحقق فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾175. ومثل ذلك في الحزن فإنه شعور غريزي طبيعي في الإنسان، وليس مذموماً. ويصبح مذموماً عندما يتحول إلى جزع، فيخالف التوكل على الله، ويعارض الرضا بقضاء الله، عندئذ يخاطَب حامله بـ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾،176 فيُنهى عن الحزن هنا.
والخوف كذلك، غريزة طبيعية داخل الإنسان. إذ ليس جماداً ولا إسمنتا، بل هو كائن عاقل له مشاعر، ولا يمكن أن يوصف شعور الخوف بكونه مذموما، نعم عندما يؤثر على الإنسان، فيمنعه أن يقوم بواجبه، كأن يُدعى إلى الجهاد، فيقول: أنا خائف، يُدعى إلى كلمة الحق، فيمنعه الخوف من ذلك، وهكذا تراه يترك الواجبات لتخوفه من النتائج المترتبة عليها، هنا يصبح الخوف مذموما.
وإلا فقد كان لدى أنبياء الله والأوصياء من الحزن الكثير كالنبي يعقوب، لكن كان موقفه فيه ما نقله القرآن الكريم بقوله ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾177ومثله ما نقل عن الإمام زين العابدين، من كونه أحد البكائين الذين حزنوا على أبيه الحسين ﵇ فهو لم يخرجه عن الايمان بقضاء الله وإنما كان يقربه إليه.