2. كذلك نلاحظ أنها مثلما فعلت عمتها زينب قد صدمت المجتمع الكوفي بتحميله المسؤولية في قتاله الحسين وأصحابه، وأنهم في ذلك قد سقطوا في امتحان الابتلاء الذي ابتلاهم الله به، فبينما كان المفروض أن يتبعوا آل بيت النبي حيث جعل الله فيهم وعاء علمه وحكمته وجعلهم حجته على أهل أرضه، فإذا بهم يعدون عليهم ويرون قتلهم حلالاً وأموالهم نهبا، كل ذلك افتراء على الله سبحانه ولكن الله خير الماكرين.
وهنا للمتأمل أن يلاحظ أن كلمات السيدة فاطمة بتواليها وترادفها هي أشبه بالمطارق التي تنزل على تلك الرؤوس واحدة بعد الأخرى، بل في تنوع الأساليب في هذا فهي تارة تقرر، وأخرى تتساءل، وثالثة تستنكر فانظر إليها كيف تتكلم هنا «أتدرون أية يد طاعنتنا منكم؟! وأية نفس نزعت إلى قتالنا؟! أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا؟! قست والله قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع على أفئدتكم، وختم على أسماعكم وأبصاركم»
وأما النص الذي ألقته﵍ فهو هكذا
«الحمد الله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً﵌ عبده ورسوله، وأن ذريته ذبحوا بشط الفرات بغير ذحل ولا ترات! اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب﵇، المسلوب حقه، المقتول بغير ذنب -كما قتل ولده بالأمس- في بيت من بيوت الله، فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تعساً لرؤوسهم، ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته، حتى قبضته إليك محمود النقيبة، طيب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه اللهم فيك لومة لائم ولا عذل عاذل، هديته يا رب للإسلام صغيراً، وحمدت مناقبه كبيراً، ولم يزل ناصحاً لك ولرسولك صلواتك عليه وآله حتى قبضته إليك، زاهداً في الدنيا، غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مجاهداً لك في سبيلك، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم.
أما بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فإنا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه ووعاء فهمه وحكمته وحجته على أهل الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته وفضلنا بنبيه محمد﵌ على كثير ممن خلق تفضيلاً بيناً.
فكذبتمونا، وكفرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهباً، كأننا أولاد ترك أو كابل، كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت، لحقد متقدم، قرّت لذلك عيونكم، وفرحت قلوبكم، افتراء على الله ومكراً مكرتم والله خير الماكرين.
فلا تدعونّكم أنفسكم إلى الجذل بما أسلتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا، فان ما اصابنا من المصائب الجليلة والرزايا لعظيمة ﴿ِإلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾373 تباً لكم، فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء نقمات، فيسحتكم بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنه الله على الظالمين.
ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم؟! وأية نفس نزعت إلى قتالنا؟! أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا؟! قست والله قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع على أفئدتكم، وختم على أسماعكم وأبصاركم وسوّل لكم الشيطان وأملى لكم وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون.