فتباً لكم يا أهل الكوفة، أي ترات374 لرسول الله﵌ قبلكم وذحول له لديكم بما غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب﵇ جدي وبنيه وعترة النبي الأخيار صلوات الله وسلامه عليهم، وافتخر بذلك مفتخركم فقال:
نحن قتلنا علياً وبني علي
بسيوف هندية ورماح
وسبينا نساءهم سبي تُركِ
ونطحناهم فأي نطاح
بفيك أيها القائل الكثكث والأثلب375 افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فأكظم واقعِ كما أقعى أبوك، فإنما لكل أمريء ما كسب وما قدمت يداه، أحسدتمونا -ويلكم- على ما فضلنا الله؟!
فما ذنبنا إن جاش دهراً بحورنا
وبحرك ساج لا يواري الدَّعامصا
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.376
3. خطبة أم كلثوم بنت أمير المؤمنين﵇
قال السيد بعد أن نقل خطبتي زينب العقيلة وفاطمة الصغرى: إنه خطبت أم كلثوم ابنة علي﵉ في ذلك اليوم من وراء كلتها، رافعة صوتها بالبكاء..
وهنا ينبغي التوقف للاستفادة من هذه الإشارة في قضية تاريخية، وهي: هل أنه كان للإمام عليّ﵇ ابنتان: زينب وأم كلثوم؟ أو هما واحدة تارة تعرف بالاسم وأخرى بالكنية كما ذهب إلى ذلك المرحوم السيد المقرم في كتابه مقتل الحسين377.
وهذا البحث وإن كان محله ليس هنا وإنما قد يبحث في موضوع الأولاد والذرية للإمام أو في الحياة الأسرية، وهو غير هذا المقام إلا أن هذا الموقع مما يفيد في تلك المواضع، فإن النص هنا يشير إلى التعدد، ولا معنى لتكلف أن يكون هناك امرأة واحدة خطبت مرتين في موضعين وبأسلوبين مختلفين تماماً كما سيأتي، ومع ذلك يقال هي واحدة؛ عبر عنها الراوي تارة بالاسم وأخرى بالكنية لا نرى وجهاً صحيحاً لذلك أبداً.
إن المتأمل في صياغة الخبر ثم في الخطبة نفسها من حيث المعاني التي تطرقت لها أم كلثوم، وأساليب الخطاب تختلف اختلافاً كاملاً ولا سيما في أدب الخطاب وقوة الكلمات عما نجده لدى العقيلة زينب﵍، وبالفعل فإن ما قيل في كلام السيدة زينب من أنها (ما رأيت خفرة أفصح منها.. أو أنها تفرغ عن لسان أبيها.. أو ما قاله ابن زياد في شأن كلامها) كل ذلك لا ينطبق على ما قالته أختها أم كلثوم.
إن هذه الخطبة لأم كلثوم، وهي قليلة الكلمات، هي أشبه بنفثة ألم مخلوطة بالبكاء والعويل، استوحت مما قالته العقيلة أختها واستمدت منها، ولكن يبقى الفارق كبيراً جداً بين النسيجين، والاختلاف بيّن في القماشتين: فهلمّ لنرى ما قالته أم كلثوم كما نقله أيضاً في الملهوف: يا أهل الكوفة، سَوءاً لكم! مالكم؟ خذلتم حسيناً وقتلتموه وانتهبتم أمواله وورثتموه وسبيتم نساءه ونكبتموه؟! فتباً لكم وسحقاً. ويلكم! أتدرون أي دواهٍ دهتكم؟ وأي وزر على ظهوركم حملتم؟ وأي دماء سفكتموها؟ وأي كريمة اهتضمتموها؟ وأي صبية سلبتموها؟ وأي أموال نهبتموها؟ قتلتم خير رجالات بعد النبي﵌، ونزعت الرحمة من قلوبكم، ألا إن حزب الله هم الغالبون وحزب الشيطان هم الخاسرون.
ثم قالت:
قتلتم أخي صبراً فويل لأمكم
ستجزون ناراً حرها يتوقد
سفكتم دماء حرم الله سفكها
وحرمها القرآن ثم محمد
ألا فابشروا بالنار إنكم غداً
لفي قعر نار حرها يتصعد
وإني لأبكي في حياتي على أخي
على خير من بعد النبي سيولد378
4. خطبة الإمام علي بن الحسين﵉
ثم إن زين العابدين﵇ أومأ إلى الناس أن اسكتوا، فسكتوا، فاستوى قائماً، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي بما هو أهله فصلى عليه، ثم قال: