وأما نص الخطبة فقد نقلها ابن اعثم عن خزيمة الأسدي368 قائلاً: ونظرت إلى زينب بنت علي رضي الله عنه يومئذ ولم أر خفرة قط أفصح منها كأنها تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدت الأنفاس، ثم قالت: الحمد لله وصلواته على أبي محمد رسول الله وعلى آله الطاهرين الأخيار، أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل والخذل، أتبكون؟! فلا رقت لكم دمعة، إنما مثلكم كمثل369 (الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ)370 ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون! إي والله فابكوا كثيرًا واضحكوا قليلاً، كل ذلك بانتهاككم حرمة ابن خاتم الأنبياء وسيد شباب أهل الجنة غداً وملاذ حضرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرة سنتكم، ألا ساء ما تزرون، وبعداً لكم وسحقا، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وتوليتم بغضب الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، أتدرون ويلكم يا أهل الكوفة أي كبد لرسول الله﵌ فريتم وأي دم له سفكتم وأي حريم له ورثتم وأي حرمة له انتهكتم؟! ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾371 لقد جئتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض، أفعجبتم إن أمطرت السماء دما ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل ولا يحفزه البدار، ولا يخاف عليه فوت الثأر، كلا! إن ربك لبالمرصاد.372
2. خطبة فاطمة بنت الحسين
فإنه يظهر من السيد ابن طاووس في اللهوف أنها من حيث الترتيب كانت للسيدة فاطمة بنت الحسين﵍ والتي عبر عنها بالصغرى -في مقابل الكبرى وهي بنت علي ﵉- فقد قال: وروى زيد بن موسى قال: حدثني أبي، عن جدي﵉ قال: خطبت فاطمة الصغرى﵍ بعد أن ورد من كربلاء (إلى الكوفة)، فقالت:
ونشير أولا إلى أفكارها الأساسية التي وردت فيها ثم نتبعها بالنص الذي ذكره السيد ابن طاووس﵏ فإنها تطرقت في هذه الخطبة إلى الأفكار التالية:
1. التأكيد على مفهوم الحمد لله بهذا المقدار (عدد الرمل والحصى وزنة العرش للثرى..) وأن ما حصل هو مما يحمد الباري عليه، ثم التذكير بموضوع عقائدي وهو أن الله سبحانه قد أخذ العهد من الناس على الإيمان بوصية علي بن أبي طالب وأنه من يخالف ذلك فهو يخالف ما أنزل الله، وأن هذا المجتمع الكوفي بدلاً من أن يدفعوا عن امامهم الضيم في حياته انتهى به الأمر إلى ان يقتل شهيداً في بيت من بيوت الله عز وجل مع وجود جماعة مسلمة اللسان مؤمنة الشعار لكنها ضعيفة التحقيق والعمل لذلك الشعار، وإن مقتل ذريته من الحسين﵇ وأنصاره هو امتداد لذلك القتل، ونلحظ هنا ملاحظة لن تكون إلا في مجلس يزيد بن معاوية بعد نحو من شهر من الزمان سيتطرق لها بالتفصيل الإمام زين العابدين وهو إعادة تعريف الناس بأمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومزاياه، فهنا أيضاً نلاحظ السيدة فاطمة تطرقت لهذا الجانب بنحو من التفصيل بالقياس إلى حجم خطبتها.