سيرة الإمام الحسين من سنة ٥٠ إلى ٦٠هـ

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

غير أن الضربة الأكبر كانت لمخططه في البيعة لابنه يزيد، وهي عندما جاء إلى المدينة لكي يخبر الناس عن عزمه في ذلك، وذلك عندما جاء معاوية إلى المدينة بنفسه، فطلب أهم شخصيات المدينة حينها وفي طليعتهم الإمام الحسين﵇ وابن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر، وبعد أن اجتمعوا أخذ يتحدث عن يزيد، وعن نفعه للأمة، وأنه نظر إلى هذه الأمة، وقد كبر سنه، فرأى أنه لا بد أن يولي عليها أحداً، فلا يصح أن تترك هذه الأمة بلا وال، وأنه وجد يزيد الرجل المناسب لذلك وأخذ بمدحه، قالوا: إن ابن عباس أراد أن يقوم، لكن الإمام الحسين أشار إليه بالجلوس، فجلس بينما قام الحسين﵇ يرد على معاوية. فقال: بعد أن حمد الله وصلى على الرسول﵌ أما بعد يا معاوية فلن يؤدي القائل -وإن أطنب- في صفة الرسول﵌ من جميع جزءا، قد فهمت ما ألبست به الخلف بعد الرسول﵌من إيجاز الصفة، والتنكب عن استبلاغ البيعة، وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجرت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من أتم حقه بنصيب حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمد﵌، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المتهارشة عند التحارش، والحمام السبق لأترابهن، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق أكثر مما أنت لاقيه، فو الله ما برحت تقدم باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص.173

والإمام الحسين﵇ هنا بعد أن وجه الاتهام لمعاوية بأنه استأثر حتى أجحف بسائر الناس، ومنع حتى بخل، وجار حتى تجاوز، عطف الكلام على يزيد الذي جاء أبوه يسوّقه بين من يعرفه ويعرف سيرته. فقال له: «كَأَنَّكَ تَصِفُ مَحْجُوبًا أَوْ تَنْعَتُ غَائِبًا»، أي: كأنك تتحدث عن أحد ليس معروفاً عندنا، كلا الرجل معروف عندنا تمامًا، وموقعه وخبراته وتوجهاته نعرفها، فينبغي أن تتركه مع ما هو خبير فيه من التحريش بين الكلاب المتهارشة، والسباق بين الحمام والطيور كما يفعل البطالون، والفتيات المغنيات وأدوات اللهو، فهذه الميادين تشهد بخبرته فيها، وأما الخلافة وسياسة الناس فهذا أمر غريب عنه وليس من قماشه ونسيجه!

ثم حذره بأن يومه قريب فلا ينبغي أن يجمع فوق سيئاته سيئات ابنه، وأوزاراً فوق أوزاره، إلا أن معاوية الذي أشرب قلبه حب ابنه، ورأى فيه الامتداد لوجوده لم يكن في وارد أن يسمع نصيحة من ناصح، وإنما حذر الحسين﵇ وباقي من حضر بأنه سيتحدث في المسجد عن هذا وسيقيم على رأس كل واحد منهم سيّافا فإن تكلم منهم أحد بكلمة ضرب عنقه من دون انتظار أمر وقد أعذر من أنذر.

معاوية يمضي لأمره تحت تهديد السيف