سيرة الإمام الحسين من سنة ٥٠ إلى ٦٠هـ

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

2. ومن تمهيده لبيعة يزيد تهيئة كبار ولاته، فإن بعضهم -وقد هزلت الخلافة إلى هذا المستوى- كان يطمع فيها ويتطلع لها، فأما المغيرة بن شعبه فقد اتخذها سلّمًا ليبقى والياً على الكوفة فلا يعزل بغيره، وأعطاه معاوية ما أراد بعدما أخبره المغيرة بأنه يكفيه أمر الدعوة لبيعة يزيد في الكوفة، ومروان سبق أن ذكرنا أن معاوية كلفه بالدعوة لبيعة ابنه وكان معاوية يرى نفسه في الربح على التقديرين فإن استجاب مروان لذلك ودعا لبيعة يزيد فلا معنى أن يتطلع للخلافة، وإن تقاعس عن هذه الدعوة كان ذلك مبررًا لعزله عن ولاية المدينة ثم لا يساوي فلسًا! بين الناس، وبقي زياد بن أبيه (الذي صار ابن أبي سفيان وأخًا لمعاوية) غير أنه ما لبث أن مات في الكوفة فأغلق ملفه!

3. وخلال تلك المدة حاول معاوية تلميع صورة يزيد بأمره إياه بأن يظهر بمظهر الصالحين وأن لا يتعالن بالفسق والفجور، فإنه كان معروفا به حتى قيل إن زياداً بن أبيه بعدما أمره معاوية أن يأخذ بيعة أهل البصرة ليزيد، أنف من ذلك وأجابه: «ما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبغات، ويدمن الشراب، ويمشي على الدفوف وبحضرتهم الحسين بن عليّ، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، ولكن تأمره يتخلق بأخلاق هؤلاء حولا أو حولين فعسينا أن نموه على الناس».171

فكان أن أمره بالذهاب إلى الحج في احدى السنوات، وأن يذهب مع الجيش ليغزو (في الصيف)172 وكان كلا الأمرين فضيحة جديدة له.

ماذا عمل الإمام الحسين في مواجهة هذا المخطط؟

لإفشال أي مخطط يدبر في السر ومن وراء الكواليس ما عليك إلا أن تعلنه وتعلن أشخاصه وأعمالهم على الملأ، وعندها سيفشل بالكامل أو سيتعسر تنفيذه، وهذا ما نعتقد أن الإمام الحسين﵇ قد صنعه، فإنه بدأ أولا برأس النظام الأموي فأرسل له رسالة كشف فيها جرائمه بحق الناس والدين، وبالطبع عندما تنتشر هذه الرسالة بين الناس ويعلمون عنها فإنها تحقق أغراضا متعددة؛ منها أنها تكسر حاجز الخوف عن الكلام والتصريح، وهذا ما تخافه السلطات، فقد قال أحدهم (إن لسان هذا أشد عليّ من مئة ألف سيف) وفي نفس الوقت تكشف ما وراء الثياب الظاهرية من قبائح.

إن الرسالة التي وجهها الإمام الحسين﵇ لمعاوية هي بمثابة محاكمة له ولعهده؛ عدد فيها بعنوان.. ألَسْتَ؟ ألَسْتَ؟ ما قام به معاوية في عهده.