ولا شك أن شيوع مثل هذه الصورة الباهتة الكاذبة مما يشين الحسين﵇ ويقطع سبيل الاقتداء به، وهنا يأتي دور الروايات الصحيحة المكذبة لحصول هذا، والأخبار المحققة في مواجهة هذا الكلام، ومن ذلك ما نقله عقبة بن سمعان109مولى الرباب زوجة الحسين﵇، ليقول: صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس.110
وهذه الشهادة من عُقبة مهمة جداً، وذلك لأنه رافق الحسين﵇ منذ خروجه من المدينة وإلى يوم شهادته، وكان من أقرب الناس إليه وفي خدمته، فلو كان الشاهد هنا شخصاً التحق به مثلاً في مكة لقيل إنه لم يدرك الإمام في خروجه من المدينة أو التحق به في كربلاء لقيل إنه لم يدركه في كل أيامه فلعله قال هذا قبل أن يلتحق به هذا الشاهد، لكن لما كان الشاهد هذا وهو عقبة قد التصق بالإمام منذ خروجه من المدينة وكان شديد الالتصاق به حيث كان في خدمة زوجته الرباب، فشهادة مهمة هنا.
وأنت ترى أن مثل هذه الشهادة من الممكن أن تنفي جهداً كبيراً سعى أصحاب الهوى الأموي من الكتاب أن يثبتوه في التاريخ، بل لقد كذب من أجل ذلك قائدهم العسكري عمر بن سعد لتثبيت فكرة طلب الحسين أن يضع يده في يد يزيد.111
3. كذلك وكما أشرنا فإن السيرة الحسينية التي يتم تناولها -فترة خروجه إلى شهادته- تزيد عن خمسة أشهر، وهي حافلة بالأحداث والأقوال والخطب والمواقف، ومن كل ذلك يمكن استنباط أحكام شرعية، ومفاهيم فكرية.
ولأجل ما سبق فإن التحقيق في السيرة الحسينية وإبراز الوجه الناصع فيها، ورَدَّ ما هو غير صحيح يعتبر من الخدمات المقربة لله سبحانه وأوليائه، وينبغي أن يتم تثقيف الساحة المؤمنة بأن هذا لا يقل، بل يزيد في عطائه عن المشاريع الحسينية، كبناء الحسينيات والمراكز وأمثالها.
إننا لا نجد في ثقافة المجتمع المؤمن هذا المعنى، فلو خير الكثير بين أن يبني حسينية مثلاً وبين أن يدعم كتاباً موسوعياً عن السيرة الحسينية لا شك أن الكثير يقدمون الجهة الأولى على الثانية، وهكذا عند الموازنة بين إطعام الطعام على حب الحسين وبين توزيع الكتاب لنفس الغرض، وكل ذلك خير وحسن، سيجيب الأكثر على أن الأمور الخيرية المعتادة من الإطعام وإقامة العزاء هو الأفضل والأولى.
لذلك فإننا ندعو المؤمنين الواعين إلى الانتهاض بهذا الأمر المهم والتكفل به، فإذا فكرت -أخي المؤمن أختي المؤمنة- في الانفاق في عمل حسيني كجعل ثلث المال فيه، فكّر أن تجعلها لدعم مشاريع التحقيق والتأليف العلمي في سيرة أهل البيت﵈ عموماً وسيرة الحسين خصوصاً، لا سيما وأن هذا الجانب لا يتمتع بوجود توجه كاف له أو دعم مهم.